«كل المرضى الذين تجاوزت أعمارهم 65 عامًا تُركوا، لا أقول إنهم لم يوضعوا على أجهزة التنفس الصناعي، بل لم يخضعوا للفحص من الأساس، فالأطباء يتركونهم حتى يموتوا».
جاسون فان سكور، طبيب إيطالي

في التاسع والعشرين من يناير/تشرين الثاني، أي منذ ثلاثة أشهر تقريبًا، أعلنت إيطاليا عن أول حالتي إصابة رسميتين بفيروس كورونا داخل أراضيها، وهما سائحان صينيان، لتصبح تلك نقطة انطلاق طوفان وبائي في المدن الإيطالية. وعلى الرغم من أن هاتين الحالتين، ليستا «الحالة صفر» التي يفترض أن تكون أول ناقل للعدوى هناك، فإن هذه النقطة كانت بوابة اللجوء إلى سيناريو طب الحروب، حيث يختار الأطباء من بين المرضى من سيتلقى العلاج ومن سيترك لمصيره، سواء لعدم وجود علاج أو مكان لهم. منذ ذلك اليوم، سقطت إيطاليا في نعش أسود لا يعلم أحد متى سُيغلق، فكيف حدث ذلك؟

مجزرة سياسية واجتماعية

آخر ما يمكن لمتابع الأحداث في إيطاليا تخيله هو كون جزء كبير من الأزمة كان سياسياً في المقام الأول، فإذا ما أردنا تتبع السلسلة المؤدية إلى تلك الكارثة من منظور سياسي، بداية من التعتيم الإجرامي الصيني على الفيروس، باعتقالها الطبيب الذي كشف أول ظهور له في الصين في أواخر ديسمبر من العام الماضي، انتهاء بالنزاع السياسي في إيطاليا، الذي تسبب في تأخر قرار حظر استقبال الطيران لمدة شهر كامل حدث خلاله ما تعجز دولة كاملة عن مجابهته.

في بداية يناير من العام الحالي، وجه السياسي المعارض ماتيو سالفيني دعوته للحكومة الإيطالية، بوضع كل الوافدين من الصين داخل حجر صحي بمجرد وصولهم إلى إيطاليا، لكن ثمة أزمة كانت تعتمل في الأفق. استخدم سالفيني – المعروف بانتمائه اليميني المتطرف وعدائه للمهاجرين – أزمة الوباء في مهدها لوقف حركة دخول المهاجرين إلى إيطاليا، في الوقت نفسه تعاملت الحكومة الإيطالية مع دعوة سالفيني بالرفض، ذلك أن القبول بها من وجهة نظر الحكومة الائتلافية، كان بمثابة خضوع لسياسات اليمين المتطرف، وانسحاق في الاستحقاقات الانتخابية، هنا قررت الحكومة تجاهل مطالب الحجر الصحي.. لشهر كامل!

لم تتوقف الرحلات المقبلة من الصين وغيرها من الدول، ولم تظهر أي حالات في إيطاليا طوال مدة زمنية غير قصيرة، لكن أحداً لم يكن يدرك أن الفيروس بحاجة إلى مدة زمنية طويلة حتى يخرج من فترة الحضانة وينشب أنيابه بوضوح في جسد ضحيته.

على صعيد مجتمعي، تعاملت الحركة المجتمعية في الشارع الإيطالي مع الخطر باستصغار وإيمان عميق بأن الأمر لا يتجاوز فيروس متطور قليلاً من الأنفلونزا التقليدية. أشارت التقارير إلى حالة من التجاهل المجتمعي التام لوجود الفيروس، فخلال الشهر الأول من دخول الفيروس إلى إيطاليا، كانت الحانات والحفلات والشوارع والميادين ممتلئة عن آخرها، وظلت الحياة كما كانت عليه طوال الوقت، لذا فالأمر لا يستحق كل الضجيج والصخب الذي يعلنه البعض، وكان السياسيون كذلك جزءاً من تلك الجريمة.

صبيحة العاشر من مارس الجاري، وفي ظل وضع كان على إيطاليا أن تتخذ فيه التدابير اللازمة، سواء على الصعيد السياسي أو المجتمعي، خرج السياسي وعضو البرلمان في مقطع فيديو طويل عبر حسابه الرسمي على فيسبوك، ليخبر الإيطاليين بأنه لا يصدق وجود شيء اسمه كورونا، وأنها خدعة من الحكومة «لتقييد الحريات» في إيطاليا، وأن ثمة أزمات كبيرة تواجه المجتمع الإيطالي أهم من الكورونا مثل الجوع والفقر.

في ظل الانتقال والاختلاط المستمر، كانت خمسة أيام كافية لانتشار عدوى الفيروس بإيطاليا دون أن يلحظ الكثيرون أنهم مقبلون على كارثة، إلى أن خرج فيتوريو معتذراً عما قاله من قبل بشأن الكورونا، موضحاً أنه بنى معلوماته حول الفيروس بناء على مصادر خاطئة، لكن من الواضح أن فيتوريو لم يكن يدري ما تسبب فيه بالفعل.

لومبارديا المنكوبة

ذكرت وسائل إعلام محلية أن عربات للجيش شوهدت وهي تدخل المقاطعة لحمل 60 جثة تمهيداً لحرقها ذلك أنه لم يعد هناك مكان لدفن المزيد من الضحايا.

هذا ما ذكرته إحدى المنصات الإعلامية المحلية في إيطاليا، صبيحة الثامن عشر من مارس، على الرغم من أن بعض الآراء رجحت فيما بعد أن عربات الجيش قامت بإفراغ المقابر من جثث وبقايا ضحايا الحرب العالمية الثانية، ذلك أن مقابر المقاطعة لم يعد بها مكان لدفن المزيد، وبالمثل كانت غرف الكنائس التي ضجت بالنعوش.

سواء كانت عربات الجيش قد حملت جثث ضحايا كورونا أو الحرب العالمية الثانية، فالنتيجة واحدة: صارت المقاطعة منكوبة بالكامل، لم يعد هناك مكان لدفن مزيد من الجثث، في حين أن البيانات حتى مساء الأمس تعلن عن أرقام مخيفة للضحايا بصورة يومية، فحتى تاريخ كتابة هذه السطور، أفاد تقرير وزارة الصحة الإيطالية بلوغ وفيات كورونا خلال يوم 21 مارس 793 ضحية، كانت الممرضة الإيطالية التي ظهرت في مقطع الفيديو الشهير محقة، لم يعد بإمكاننا إحصاء الضحايا.

لكن السؤال الأهم، لماذا لومبارديا على وجه التحديد، لماذا وصلت نسبة التفشي في المقاطعة بهذه الصورة المخيفة، حتى ارتفعت نسب الإصابة والوفيات في المقاطعة إلى أرقام لم تسجل منذ الحرب العالمية الثانية؟

كشف تقرير النيويورك تايمز الأمريكية أن الحكومة الائتلافية في إيطاليا تواجه اتهامات قد تطيح بها من سدة الحكم، تتمثل في عمليات الكشف غير الدقيق التي قامت بها السلطات الصحية في إيطاليا لسكان المقاطعة، التي اتضح فيما بعد أنها لم تكن فحوصات دقيقة، وتسببت في تفشي العدوى بين سكان المقاطعة، وسبب ذلك الخصومة والعداء بين النظام الحاكم في العاصمة وخصومه من اليمين الحاكم لمقاطعة لومبارديا والمسيطرون على البرلمان هناك.

يرتبط جزء من تفشي الوباء كذلك بصلة وثيقة بواحدة من العوامل التي اشترك فيها كل من الحكومة الإيطالية ونظيرتها الصينية. في الحادي والعشرين من يناير الماضي، استقبل وزير السياحة الإيطالي وبرغم كل التحذيرات المعلنة في عدة دول، وفداً صينياً برئاسة مسئول صيني، لإحياء العلاقات الصينية الإيطالية، وبالطبع يستحيل فصل تلك الزيارة عن نسب العدوى المتزايد التي ظهرت في إيطاليا في وقت لاحق في شهر فبراير، خاصة وأن فترة حضانة المرض هي أكثر العوامل المخادعة للجميع.

وهم الاتحاد الأوروبي وأكذوبة الصين

تحولت إيطاليا إلى البؤرة الأكبر والأكثر نشراً للعدوى في كامل القارة الأوروبية، أما عن العنصر المخيف في ذلك الكشف، هو الحالة «صفر» أو الحالة الناقلة للعدوى في إيطاليا، وهو رجل في الثامنة والثلاثين من العمر، كان في مدينة كودجنو الإيطالية يوم 18 فبراير/ شباط، والذي كان المشفى الذي ارتاده حينما ظهرت عليه أعراض الحمى، هو سبب الكارثة اللاحقة لما حدث له، حيث شخصه المشفى بأنه مصاب بحمى اعتيادية، وأعطاه تصريحاً بالمغادرة.

مارس الحالة «صفر» في الأيام التالية لخروجه من المشفى حياته بشكل طبيعي، وقام بكل أنشطته المعتادة التي خالط خلالها العشرات، الذين خالطوا بدورهم عشرات آخرين من سكان المدينة، كل ذلك قبل تشخيصه بفيروس كورونا، وبحلول الثالث والعشرين من فبراير، أي بعد نحو خمسة أيام، كانت هناك عشر حالات مؤكدة بالفيروس في محيطه، ووضعت السلطات أكثر من خمسين ألف شخص بالمدينة في حجر صحي لاشتباه انتشار العدوى بينهم.

كان يفترض أن تشهد أزمة إيطاليا المخيفة تكاتفاً ودعماً كبيرين من دول الاتحاد الأوروبي، خاصةً في ظل الارتفاع المبالغ في عدد الإصابات والوفيات، الذي وصل في بعض الأيام إلى 800 حالة، لكن الشواهد تؤكد أن الاتحاد الأوروبي صعب الكارثة على إيطاليا في أيام معدودة، حيث كشف الصحافي بن نورتن عن استيلاء ألمانيا على 830 ألف غطاء للوجه أرسلتهم الصين لدعم إيطاليا في أزمة كورونا.

لم تتوقف الأزمة عند الاستيلاء على الأدوات الطبية، بل بلغت حد منع السلطات الألمانية سفينة سويسرية تحمل نحو 240 ألف قناع طبي وبعض الأدوات الطبية من الوصول إلى إيطاليا، مما أثار حالة كبيرة من الغضب في أوروبا، واكتملت المأساة باستيلاء التشيك على سفينة على متنها 680 ألف قناع طبي متجهة من الصين إلى إيطاليا لدعمها في أزمة كورونا.

بدا وأن كورونا سينزع ورقة التوت الأخيرة عن الاتحاد الأوروبي، وسينهار قصر الورق عما قريب.

لكن بالانتقال إلى الأرقام المخيفة التي تسجلها إيطاليا في عدد الوفيات بشكل يومي، خاصة وأنها دولة تعاني من انخفاض كبير في عدد سكانها في السنوات الأخيرة، فقد طرح ذلك العديد من الأسئلة حيال الأرقام الحقيقة للوفيات في الصين، خاصة وأن عدد السكان لا يقارن بإيطاليا، حيث كشفت التقارير أن شركة الاتصالات الصينية الأكبر والأشهر قد فقدت خلال شهري فبراير ومارس أكثر من 8 ملايين مستخدم من مستخدميها، دون توضيح سبب اختفائهم كمستخدمين لخطوط الشركة وخدماتها.

يجدر بالذكر هنا أن الصحافي ويليام يانج قد غرد في نهاية يناير الماضي متحدثاً عن حرق السلطات الصينية لجثث وفيات كورونا بأعداد كبيرة، لإخفاء الأعداد الحقيقة للوفيات، وهو ما جاء قبل أيام من قرار الصين بإلغاء المراسم الجنائزية والإعلان بشكل رسمي عن حرق الجثث، وبعدها بقليل تحدث البعض عن حرق 1200 جثة في يوم واحد في مدينة ووهان، لكن لم يؤكد أو ينفي أحد ذلك الرقم حينها.

على نفس الوتيرة، نجد أن أعداد الوفيات الضخمة في إيطاليا تأتي ضمن المعضلة المعلن عنها في عديد من الدراسات التي تفيد ارتباط الوفاة بالتقدم في السن، بسبب الضعف النسبي للمناعة وكذا ظهور أمراض أخرى قد تصيب الجسم، وهي أزمة مشتركة بين الصين وإيطاليا.

لذا يسعنا القول بأن سيناريو إيطاليا الذي لا تدري كيف ومتى ستخرج منه، بكل ما فيه من شفافية ووضوح للعالم، لهو أهم الدروس التي ينبغي النظر فيها وتتبع مسارها بعمق كي نتجنب تكرارها. وعلى الرغم من ضبابية المستقبل، فإنه ومن المؤكد أن العالم ما قبل كورونا، لن يكون هو نفسه بعدها.