بعد التنكيل برئيس الأركان المصري السابق، سامي عنان، ومن قبله وزير الطيران المدني الأسبق «أحمد شفيق» لجرأتهما على مجرد الترشح أمام الرئيس المصري «عبد الفتاح السيسي» في انتخابات الرئاسة المصرية عام 2018، صارت المعارضة في مصر من الموبقات، حتى ممن كانوا يومًا مع النظام الحالي في لحظات تأسيسه الأولى.

كذلك وبرغم أن مجلس النواب الحالي يُعد في نظر الكثيرين -حتى بعض أعضائه- الأسوأ على الإطلاق في تاريخ البرلمانات المصرية، فإن عددًا قليلًا من الأصوات العالية خرجت منه مع أول قضية تمس السيادة الوطنية، وهي قضية تيران وصنافير، ثم بعد ذلك لحظة تعديل الدستور الحالي، بما يسمح للرئيس السيسي بالبقاء في السلطة لعام 2030.

من بين هذه الأصوات القليلة الرافضة للسياسات الحالية والمعارضة للنظام، النائب «أحمد الطنطاوي»، الذي اشتهر بمعركته الحالية في رفض تعديلات الدستور، فمن هو؟ وهل يمكن وصفه بالمعارضة المصطنعة لامتصاص غضب الناس، أم أن الرجل يمثل معارضة حقيقية يمكن الاصطفاف إلى جانبها؟

هذا ما سنحاول الخوض فيه في هذا التقرير.


ابن «كفر الشيخ» البار

ولد الإعلامي والصحفي «أحمد الطنطاوي» في 25 يوليو/ تموز 1979، بمركز قلين التابع لمحافظة كفر الشيخ (شمال مصر). حصل على بكالوريوس في التجارة تخصص محاسبة من جامعة المنصورة، ليحصل بعدها على دبلوم إدارة نظم المعلومات من الأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا، كما حصل على دبلوم الدراسات العليا في العلوم السياسية من جامعة القاهرة عام 2008، وعلى الماجستير في العلوم السياسية عام 2013.

ينتمي الطنطاوي إلى تيار الكرامة الناصري، ويُعد من الجيل الثاني لحزب الكرامة (الذي أسسه حمدين صباحي وأمين إسكندر عام 1996). تولى الطنطاوي أمانة الحزب بمركز قلين عام 2009، وأصبح عضوًا في الهيئة العليا للحزب عام 2011، ثم انتُخب كعضو بالمكتب السياسي للحزب عام 2012، وأخيرًا استقال من الحزب في مارس/ آذار 2014، ولم يعلن بشكل رسمي عن سبب الاستقالة، إلا أنه صرح إلى بعض المقربين بأن السبب كان رفضه القاطع لمشاركة حمدين صباحي كمرشح للرئاسة أمام عبد الفتاح السيسي، معتبرًا هذا مجرد محض مسرحية، وأن صباحي بهذا يشارك في ترسيخ الحكم العسكري في البلاد، ويدّعي الطنطاوي أنه واجه صباحي بهذا الرأي.

عمل الطنطاوي في مجال الصحافة، وهو عضو في نقابة الصحفيين، كتب في جريدة الكرامة التابعة للحزب وتولى القسم السياسي فيها حتى عام 2012، تولى كذلك منصب نائب رئيس تحرير جريدة «الدولة اليوم» عام 2010، كما حاول التواجد في المجال الإعلامي عبر تقديم وإعداد برنامجي «حصاد الأسبوع» و«آخر خبر» عام 2010، وبرنامجي «منبر درة» و«رؤية وحوار» عام 2011، وله العديد من الحلقات السياسية للإذاعة المصرية.

أسس عام 2005 مع آخرين جمعية الحلم العربي الخيرية، التي عملت في المجال الخيري في محيط مركز قلين بمحافظة كفر الشيخ، عملت على دعم المحتاجين والأيتام وحصلت الجمعية على دعم كبير من أهل البلدة، كما حصل أحمد من خلالها على سمعة، ستساعده فيما بعد للوصول إلى البرلمان.

عبرت مواقفه السياسية عن شباب حزب الكرامة؛ شارك في ثورة يناير 2011، ودعم ترشح صباحي لرئاسة الجمهورية 2012، عارض الرئيس الأسبق محمد مرسي ودعا للتصويت بـ «لا» على دستور 2013، كما عارض الإعلان الدستوري المكمل الذي أصدره مُرسي، ومن ثم شارك في 30 يونيو/ حزيران 2013، ثم عارض فيما بعد ترشح الرئيس السيسي لرئاسة الجمهورية.

تزوج أحمد عام 2005، وهو أب لثلاث بنات هم جنة الرحمة 2006، ورقية 2010، وريم 2015.


الحصان الذهبي

ترشح الطنطاوي كمستقل لعضوية مجلس النواب عن دائرة دسوق وقلين بمحافظة كفر الشيخ. انضم بعد ذلك إلى تحالف «25-30» المعارض للكتلة البرلمانية الأكبر «تحالف دعم مصر»، ربما يكون السؤال المحير للبعض، هو كيف سمح النظام الحالي لشخص مثله بالدخول إلى البرلمان؟

لسنا بصدد الحكم على الرجل بما لا نعلم، لكن لنتخذ من هذا السؤال مدخلًا للاطلاع على التركيبة الانتخابية في دائرة طنطاوي الانتخابية في ذلك العام (عام 2015)، فربما تشرح كيف تسلل الطنطاوي إلى البرلمان.

جرى ضم مركز قلين (150 ألف صوت) إلى مركز دسوق (300 ألف صوت) في انتخابات عام 2015، وكانت حصة قلين بمفردها -مع مركز شباس والمنشية والقرى المحيطة بها- من المقاعد قبل ضمها مقعدين (1 فئات و 1 فلاحين). وبالرغم من حصول دسوق وقلين مجتمعين على أربعة مقاعد في التعديلات الجديدة، رأى البعض هذه القسمة ظالمة، كون كتلة دسوق التصويتية أكبر من كتلة قلين، والأمر الآخر أن دسوق تُعتبر مركزًا ضخمًا لرجال الأعمال والمال وملاك الأراضي مقارنةً بقلين، إذ بالحسابات قد يحسمون المقاعد الأربعة لصالحهم.

وفي قلين كانت هناك أسر تاريخية تحسم المقاعد الانتخابية كعائلة القطان، حيث يتمثل ثقل دائرة قلين الانتخابي في منطقتي قلين البلد وشباس، حتى أنه سرى عُرف أن من يحسم شباس يحسم الانتخابات، أما قلين المحطة -التي ينتمي إليها أحمد الطنطاوي- فلم تكن ذات كتلة تصويتية كبيرة، ولم تنجح في إيصال مرشح للبرلمان قبل ذلك -حسب علمنا-.


كيف استفاد الطنطاوي من هذا الوضع؟

في انتخابات 2015 ركز الطنطاوي على فئة الشباب التي ينتمي إليها، يحثهم على النزول والتصويت له. ظهر ذلك من خلال العدد الضخم من المؤتمرات الانتخابية الذي بلغ 130 مؤتمرًا في 81 قرية، وتحالفه مع العديد من الشباب الذين يمثلون صغار التجار وملاك المشاريع في قلين، يتلقى دعمهم ويمرر الدعايا الانتخابية من خلال شبكاتهم وعلاقاتهم. كل ذلك إلى جانب سمعته وشعبيته التي حازها من عمله الدؤوب في جمعية الحلم العربي الخيرية، ساعده على اجتياز المرحلة الأولى من الانتخابات، ليصل إلى دور الإعادة مع سبعة مرشحين؛ أربعة من دسوق، وثلاثة من قلين، هو رابعهم.

أدى الاحتقان بين قلين ودسوق إلى رفع حماسة أهالي قلين للمشاركة وإيصال مرشحيهم إلى البرلمان خوفًا من تمثيل دسوق على حسابهم.

أحد المشاركين في حملة «أحمد الطنطاوي»

وفي الإعادة حدث تحالفبين مرشحي دسوق الأربعة للاستحواذ على مقاعد الدائرة الانتخابية وإقصاء مرشحي قلين، وهؤلاء المرشحون رجال أعمال وذوو نفوذ مالي، والأربعة مقربون من النظام السياسي الحالي.

تأسس هذا التحالف برغبة من رجال المال في دسوق وفي ظل غياب تحالف بين مرشحين قلين، لكن التحالف أحدث بلبلة بسبب صورة تسربت للمتحالفين، وهو ما انعكس في التصويت لصالح مرشحي قلين، عمر دوير وأحمد الطنطاوي. لتخرج نتيجة الانتخابات بـ 61 ألف صوت للأول و 58 للثاني، في حين حل مرشحو دسوق الفائزون خلفهم بأكثر من 11 ألف صوت.

يُعتبر أحمد أكثر المستفيدين من هذا الدمج، كونه استغل الاحتقان بين أهالي مركزي قلين ودسوق في حشد المصوتين من قلين لصالحه، خلافًا للامتداد الشعبي له في دسوق، ليتجاوز تكتلات المال ورجال الحزب الوطني المنحل في قلين البلد وشباس التي كانت لتطيح به لو أن قلين ظلت دائرة انتخابية منفصلة.

كذلك ساعدته قدرته على إشراك فئات بعيدة عازفة عن المشاركة السياسية وهم الشباب، مستفيدًا من التحالف السياسي بين رجال المال، الذين يُشاع حولهم الفساد. هذا ما مكن الطنطاوي من الفوز في دسوق، مع انتمائه لفئة الشباب، حتى أن أحد الناخبين لم يصوت له في الجولة الأولى، لكن في جولة الإعادة شارك فقط لأجل مرشحي قلين، الدوير والطنطاوي. ويُذكر أن استطلاعات الرأي السابقة للانتخابات كان طنطاوي يتقدم فيها ويحصل على المركز الأول.


عندما حطم الطنطاوي الميكرفون

أسميناه الحصان الذهبي، تمنيًا لفوزه في الانتخابات على غرار الحصان الأسود الذي يكسب الرهان في السباق.

قد يستاء البعض لخلو الحياة السياسية المصرية من النخب، لكن على مدى السنوات الثلاثة الماضية حاول البعض ممن اتخذوا من النظام السياسي الحالي أرضية للعمل السياسي أن يتحولوا صوتًا للثورة، من أولئك كان أحمد الطنطاوي، وهذه أبرز مواقفه:

بدأ بزوغ نجمه بعيد مناوشاته الأولى مع رئيس مجلس النواب، عند مناقشة إسقاط العضوية عن توفيق عكاشة بسبب التطبيع مع إسرائيل، حيث علق رئيس النواب على ملابس الطنطاوي الذي هاجمه بقوله: «هذا نص في اللائحة أم هوى شخصي؟» الكلمات التي أغضبت عبد العال وأجاب عليها بعنف.

وعلى ذكر رفضه موقفه من التطبيع مع إسرائيل وموافقته على إسقاط عضوية عكاشة فقد كان له موقف سابق في عام 2008 كصحفي يطالب فيه الدولة بإعادة النظر في اتفاقية كامب ديفيد.

يدير المجلس ولا يدير أعضاءه، ليست علاقة مودة ولا صداقة ولا نسب، هذه علاقة عمل، ولابد أن تستند الى قواعد.
الطنطاوي منتقدًا عبد العال رئيس المجلس

وتم طرده من جلسة البرلمان التي كان يناقش فيها الطعن على عقود الدولة وقانون الثروة المعدنية الصادر بشكل مسبق في 2014، حيث رفض قطع الميكروفون عليه وأصر على إكمال الحديث وانتقد رئيس البرلمان لعدم تطبيقه من اللائحة، قام على إثر ذلك عبد العال بالتصويت على طرده من الجلسة واستُخدمت قوة في إخراجه، وجرى تحويله إلى التحقيق لرفضه الخروج من المجلس.

ظهر بعد ذلك في عدد من المناسبات المفصلية لمناقشة قوانين وتشريعات مُررت جميعها، فقد عارض قانون الضريبة المضافة وحاول إيقاف إقراره، واتهم الحكومة بالتسليم بقرارات صندوق النقد الدولي، لأنها -في نظره- حكومة لا تملك الاستقلالية ولا تملك قرارها وأنها تابعة للنقد الدولي، كما هاجم وزير المالية أكثر من مرة.

تصدر الطنطاوي الدفاع عن ثورة يناير أمام الأغلبية البرلمانية التي ترى في ثورة يناير مؤامرة خارجية على مصر وأنها لم تكن ثورة، ربما ذلك ما دغدغ مشاعر العديد لاعتباره متحدثًا بلسان الثورة وإن كان جزءًا من النظام السياسي الحالي.

ظهر مرة أخرى في رفضه لقانون السلطة القضائية الجديد الذي اعتمد في أبريل/ نيسان 2017، وأشار إلى أن القانون قُصد منه استبعاد يحيى الدكروري، القاضي بمصرية جزيرتي تيران وصنافير، من رئاسة مجلس الدولة، وكان أول من أشار لذلك وقوبل بترحاب في أروقة قضاء مجلس الدولة.

صعد نجمه للذروة خلال مناقشة اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين مصر والسعودية التي قضت بالتنازل عن جزيرتي تيران وصنافير للسعودية، حيث عارض الاتفاقية واتهم الحكومة بعدم احترام الدستور في إقرار الاتفاقية، كما اتهم النواب بخيانة ناخبيهم بالتنازل عن أرض مصرية، وهاجم سعيد الحسيني رئيس الجمعية الجغرافية المصرية الذي أتى لإثبات سعودية الجزيرتين، وقام بتحطيم الميكرفون، فيما اتهمه عبد العال بالتخريب وتبديد ممتلكات الدولة مما يجعل ذلك سببًا وجيهًا لإسقاط العضوية عنه.

وفي إجاباته عن سؤال «لماذا لم يتقدم بالاستقالة من مجلس النواب بعد تمرير اتفاقية التنازل عن الجزر؟» أفاد بأنه بالفعل يؤيد الاستقالة وكان قد كتبها بالفعل، لكن تراجع عنها بسبب أغلبية الأصوات في تكتل 25-30، وجاء قرارهم متعللًا بأن استمرار الكتلة قد يؤثر في فضح القرارات والقوانين التي تضر بمصالح الشعب، أملًا في ولادة تيار سياسي جديد من رحم عملية الكشف والفضح.

وكان النائب قد طالب السيسي بالإفراج عن الصحفيين الذين اعتقلوا بعد 30 يونيو/ حزيران 2013، مشيرًا إلى وضع مصر المتردي عالميًا في حرية الرأي والتعبير، حتى وإن صدرت تجاههم أحكام نافذة.

أنا لا أحب الرئيس ولا أثق في أدائه ولست راضيًا عنه، وهذا حقي كمواطن مصري قبل أن أكون نائبًا.
«أحمد الطنطاوي» أثناء مناقشة تعديلات مواد الدستور

دعا الطنطاوي المصريين للنزول والتصويت بـ «لا» على التعديلات الدستورية، في محاولة للحفاظ على المكسب الوحيد المتبقي من ثورة يناير، والمتمثل في المدد المحددة بفترتين فقط للرئيس.

النائب #أحمد_الطنطاوي يوجه استغاثة إلى الشعب المصري العظيم

Gepostet von ‎أحمد الطنطاوي – الصفحة الرسمية‎ am Donnerstag, 18. April 2019

ركز الطنطاوي في نقده الشديد للتعديلات الدستورية على استقلال القضاء، في محاولة لاستنفار القضاء، الذي تعتبر بعض أجهزته قد صادمت مؤسسة الرئاسة قبل ذلك.

أحمد مؤمن بالشباب كونه واحدًا منهم، ويعتقد أن هذه الفئة التي يحيدها نظام السيسي عن نزول الاستحقاقات الانتخابية قد تحدث فارقًا كالذي حدث وأوصله للبرلمان، وأن النظام السياسي لا يُحكم قبضته على الانتخابات كنظام سلفه مبارك.
أحد المشاركين في حملة «أحمد الطنطاوي»

جدير بالذكر أن موقف الطنطاوي بالدعوة للمشاركة في الاستفتاء لم يكن موقفه دائمًا من أي استحقاق انتخابي، فقد هاجم انتخابات رئاسة الجمهورية 2018، واعتبرها مسرحية أُجريت في مناخ إقصائي «بائس»، ولكنه في هذه المناسبة يعوّل على المفاجأة أو أن يضطر النظام للتزوير الفج، والأهم من ذلك أن يسوّق الأمل كبضاعة عزيزة هذه الأيام.

مشهد انتخابي بائس، لا يترتب عليه إحساس أن الناس راضية عن السنوات الأربعة الماضية، لا تحمل من صفة الانتخابات الكثير سوى اسمها وهي استفتاء، ولا أرى أي سبب لتخويف وترهيب الناس للمشاركة في الانتخابات، كان هناك انتخابات مصرية تعددية وتنافسية أقبل عليها الشعب المصري لشعورهم بأن لصوتهم قيمة.
الطنطاوي معلقًا على الانتخابات الرئاسية الأخيرة

وختامًا، من المهم أن نشير إلى أن الفعل الثوري فعل ممتد، وأن ما حدث في 25 يناير لم يكن هو الثورة، بل الذروة. بدأت الثورة قبل ذلك بسنوات، لما أضرب عمال المحلة، ولما اضطر النظام عام 2010 لتزوير الانتخابات بشكل فجّ، ولما استخدم كل معارض السقف المتاح له ليُظهر سوءات النظام وخطاياه، التي لم تكن لتخرج إلى النور من تلقاء نفسها.

إذا ما طالعنا تاريخ الثورة الفرنسية سنجد أن أهم ما ميزها عملية التراكم والتتابع، فبالرغم من فشل الثورات المتتالي قد يتبقى مكسب وحيد تحافظ عليه كل ثورة لما بعدها كآخر قلاعها. أنهت ثورة 1789 الخوف والرهبة من مواجهة الملك واحتفظت به كحق للشعوب، توالت بعدها الثورات والانتكاسات لترسخ مكسبًا آخر وهو حق التصويت لفئات أشمل مما كان عليه، ثم توسعت بعد ذلك لثورات تحفظ حقوق العمال، وحال الثورة المصرية ليس استثناءً، فالثورات هي الفعل الوحيد الذي ينتصر بالهزائم المتتالية، شريطة وجود التراكم لمكسب وحيد على الأقل.