هل يمكن القول إننا نشهد أحد أكثر عصور الهيمنة المطلقة في كرة القدم؟ يوفنتوس يحقق لقب الدوري للموسم الثامن على التوالي، برشلونة هو الآخر يفوز باللقب الثامن من آخر أحد عشر موسمًا. بايرن ميونيخ وباريس سان جيرمان، حدث ولا حرج. حتى إنجلترا والبريميرليج الذي لطاما تغنينا به، أتى جوارديولا وعبث بهم محليًا، ليصبح ثاني فريق في تاريخ إنجلترا «بعد سيدات أرسنال في عام 1993» يحقق الثلاثية المحلية.

لو سئمت من ملل كرة القدم وقررت متابعة كرة السلة، فمضطر لإخبارك بأن دوري كرة السلة الأمريكي للمحترفين «NBA» قد أصابته العدوى، بعد أن فاز فريق «جولدن ستيت واريورز» بنهائي المنطقة الغربية للعام الخامس على التوالي، وفي طريقه لتحقيق اللقب الرابع خلال نفس المدة. الأمر ليس مملاً كما تظن، لأن كل ما سبق هو محاولات للهيمنة، أما الهيمنة الحقيقية فأنت لا تعلم عنها شيئًا.


برشلونة ورباعية جديدة

منذ أيام، تحديدًا في الثامن عشر من مايو، كان برشلونة على موعد مع خسارة جديدة، وبرباعية أيضًا. هذه المرة كانت الخسارة من نصيب فريق السيدات في نهائي دوري أبطال أوروبا ضد ليون الفرنسي. استطاع ليون إنهاء اللقاء مبكرًا، فأحرز رباعيته في أول ثلاثين دقيقة ولم يترك لسيدات برشلونة أية فرصة. أخذت ردود الأفعال طابعًا كوميديًا، وتحدث البعض عن امتداد تأثير «إرنستو فالفيردي» على كل فرق النادي.

لكن في حقيقة الأمر، فإن ما حدث لم يكن فالفيردي أو جوارديولا أو كلوب مجتمعون – قادرين على تغييره؛ لأن هذا النهائي هو الثامن لفريق سيدات ليون في آخر 10 نسخ للبطولة. وبفوزهن على برشلونة، فقد حققن اللقب السادس في تاريخهن، علمًا بأن اللقب الأول كان في عام 2011.

هيمنة الفريق محليًا تبدو أكثر رعبًا. فقد حصل على لقب الدوري في آخر 13 موسمًا، وسجل رقمًا قياسيًا بخسارة مباراتين فقط في الدوري في آخر 9 مواسم، محققًا فارق أهداف يزيد عن الـ957، وفقًا لتقرير نشرته صحيفة «The New York Times».

تضم تشكيلة ليون الحالية 7 أسماء من أصل 15 في قائمة المرشحات للكرة الذهبية في 2018، وأبرزهن بالطبع النرويجية «أدا هيجيربيرج» صاحبة الهاتريك أمام برشلونة والفائزة بالكرة الذهبية. بجانب «دزينيفر ماروزسان» كابتن منتخب ألمانيا، و«ساكي كواجاي» كابتن منتخب اليابان، والإنجليزية «لوسي برونز»، التي اختارتها شبكة الإذاعة البريطانية «BBC» كلاعبة العام في 2018. وبالطبع ستكفل كوكبة النجوم هذه لليون استمرار سطوته على كرة القدم النسائية محليًا وقاريًا، لكن يظل السؤال: كيف وصل ليون إلى هذه المرحلة؟


المساواة

الفضل يعود إلى رئيس نادي ليون «جان ميشيل أولاس» الذي يقول:

يبدو الأمر بسيطًا، بل ويذكرنا بمأساة حقوق المرأة في بعض المجتمعات، لكن من منظور «أولاس» فإن الأمر نجح رياضيًا. على سبيل المثال، وفر النادي طائرة خاصة لنقل لاعبات الفريق إلى مدينة بودابست – عاصمة المجر – حيث يقام نهائي دوري الأبطال، ووفر طائرة أخرى لنقل أسر اللاعبات. قد يكون الأمر معتادًا لدى فرق الرجال، لكن بالنسبة لفرق السيدات، فهذا أمر نادر.

فضلاً عن ذلك، يضع النادي كل مرافقه التدريبية الرئيسية عالية الجودة تحت إمرة فريق السيدات، بداية من الملاعب، مرورًا بالأجهزة الطبية، والوحدة المسماة بالـ «mental cell» المصممة لتدريب اللاعبين الرجال على الضغط العصبي. ومع حرص رئيس النادي على حضور مبارياتهن، شعرت لاعبات الفريق بمكانة مميزة، لم تتح لهم في نادٍ آخر.

وبالطبع لا تكتمل الصورة بدون المال، فالفريق يقدم مرتبات أعلى من غيره. لكن تظل الأجواء المميزة التي ساهمت في استقطاب أفضل اللاعبات حول العالم هي العامل الأهم، حتى تحوّل التدريب يوميًا مع أفضل اللاعبات هدفًا للبعض. وكانت أشهر الأمثلة على ذلك هي اللاعبة الأمريكية الشهيرة «أليكس مورجان»، التي انضمت في 2017 لنادي ليون على سبيل الإعارة لمدة 6 أشهر، فقط لتنتقل إلى المستوى الأعلى من المنافسة.

لكن من منطلق المساواة في الظروف والأجواء، والتي ساهمت في صناعة فريق خارق مثل هذا، كان من الأولى أن توفر نفس المساواة منافسات جديرة بالمشاهدة. لكن من الواضح أن الجميع ما زال يرى في كرة القدم النسائية الملل والبطء، حتى وصل الأمر إلى اعتراضهن على هذه المساواة.


تعديل بسيط

الذي يدفع الرجال للمستوى الأعلى، يدفع السيدات أيضًا. إذا كان اللاعبون يفضلون المعاملة الجيدة ليقدموا أفضل أداء لهم، فما الذي يجعل الأمر مختلفًا لدى اللاعبات؟

قبل نهائي دوري أبطال أوروبا للسيدات لهذا العام، عقد الاتحاد الأوروبي لكرة القدم «UEFA»مؤتمرًا لدعم الكرة النسائية. تحت شعار #WePlayStrong، عرضت لاعبات قدامى وحاليات، وصحفيون مواقف تفيد عدم تقبل المجتمع لممارستهن اللعبة. وأعلن الاتحاد الأوروبي عن خطته لدعم كرة القدم النسائية، وتغيير فكر المجتمعات تجاهها. بجانب التوعية، تضمنت الخطة محاولة رفع قيمة بطولتي اليورو ودوري الأبطال، بجانب زيادة العاملين من العنصر النسائي في أروقة الاتحاد.

يبدو أنهم ما زالوا يوجهون الأمر تجاه أزمة المجتمع الذكوري، لكنهم لم يدركوا أنه قبل المؤتمر بأيام قرر الاتحاد الإنجليزي وضع نهائي كأس السيدات «FA cup» بين مانشستر سيتي وويستهام يونايتد، في نفس توقيت مباراة ويستهام وساوثهامبتون في الجولة 37 من البريميرليج. مما يعني أن الاتحاد – وليس المجتمع – يرى أن مبارايات السيدات ليست بهذه القيمة التي يوهمون أنفسهم بها، والمساواة لا تعني بالضرورة النسخ.

إحدى أبرز المدربات على الساحة والفائزة بكأس الاتحاد الإنجليزي في 2018، مدربة نادي تشيلسي «إيما هايس»، أبدت رأيها في الفوارق بين لياقة الرجال والسيدات. في تصريحاتها لقناة «BT Sport» كانت تقارن بينهما في الركض والقفز، وتقر بأن المقارنة محسومة ضدهن. كانت الحاصلة على درجة التكريم المسماة بالـ «MBE» من ملكة إنجلترا تمهد للحديث عن عرض المرمى.

فعندما تشاهد مباريات السيدات، تشعر أن المرمى خالٍ أو أن الحارسات دون المستوى. لكن «إيما» ترى أن عرض المرمى بحاجة للتصغير؛ فالفوارق البدنية بين الرجال والسيدات تحتم عليهم عدم نسخ اللعبة بكل قواعدها.

الأمر يبدو مربكًا في عالم النساء الموازي. فنادي ليون بات أسطوريًا اعتمادًا على منح اللاعبات كل ما يمنَح لفريق الرجال. وفي الوقت ذاته، فإن المباريات لا تجذب انتباه قطاع عريض من محبي كرة القدم، لأن اللاعبات لا يستطعن مواكبة قواعد الرجال. وحتى يتم الفصل في الأمر فسيظل نادي ليون هو أكثر فريق رياضي مهيمن، لا يعلم أحد عنه.