في رسالته للدكتوراه في جامعة روتجرز في الولايات المتحدة الأمريكية، تنبأ المفكر المصري الراحل عبد الوهاب المسيرى بانعطاف الممارسة الجنسية في الغرب نحو «المثلية»، حيث أطلق المسيري على تلك الثورة المثلية، الحتمية بحسبه، تعبير «الشذوذ الجنسي البروتستانتي». لماذا رأى المسيري حتمية هذا التحول؟

بنى المسيري نظريته تلك على أساس اعتماد الحضارة الغربية على اللذة كمعيار للقيمة، ولذلك فإن الجنس الغيري بحسب ذلك المعيار يصير خطرًا، لأن تلك العلاقة مع الآخر يترتب عليها عطاء مقابل الأخذ، ومسئوليات اجتماعية، وربما أحيانًا تعني الإنجاب وتربية الأطفال، وهو ما يعني مجموعة من القيم الثابتة تتجاوز مفهوم اللذة الكاملة.

لم تكن هناك مؤشرات في المجتمع الأمريكي في ذلك الوقت على ما يدعم استشراف المسيري الذي قدمه في أطروحته سوى فقط دراسته للشاعر الأمريكي والت ويتمان الذي ذكر نصًا في إحدى كتاباته الشخصية التي اطّلع عليها المسيري أثناء دراسته: «أنه أصبح شاذًا جنسيًا لأسباب أيديولوجية، لأنه يرى أن ذلك هو الحرية الحقيقية»، ولا يخفى على أحد الآن مدى مصداقية نبوءة الرجل.

بالإضافة إلى عبد الوهاب المسيري، يقدّم لنا ميشيل فوكو في ثلاثيته «تاريخ الجنسانية»، وكذلك جوزيف مسعد في كتابه «اشتهاء العرب»، مقاربات معرفية نستطيع من خلالها الإجابة على سؤال: كيف انتقلت المثلية الجنسية من الهامش إلى التيار الرئيسي في الاجتماع والثقافة الغربية؟


ميشيل فوكو: الجنسانية وعلاقات السلطة

يؤرّخ الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو لتطوّر الجنسانية sexuality (الممارسة الجنسية) من بدايات عصر التنوير، حيث شهدت تلك الفترة محاولات تشريح وتدوين الجنسانية، وظهور ما أطلق عليه فوكو «علم الجنس». ويعتقد فوكو أن إخضاع الجنسانية للترتيب والتصنيف بدءًا من تلك اللحظة ليس إلا جزءًا من محاولات السلطة الدائمة لعقلنة كل شيء، ولذلك صارت الجنسانية في الأخير امتدادًا لتلك المحاولات الحثيثة لفهم ماهية ذواتنا.

بحسب فوكو، فإن ما جرى منذ نهايات القرن السابع عشر إبان التنوير لم يكن قمعًا للجسد أو الجنسانية ولكن كان تكثيفًا لوجودهما بشكل غير مسبوق، حيث أدى تفاعل عديد العلاقات والجهود في شتى المناحي إلى إنتاج خطاب معرفي يؤطّر الجنسانية.

يصل فوكو عبر هذا بنهاية المطاف إلى أن الجنسانية بمفهومها الحداثي ليست نتاجًا للقمع أو للتجريم، بل هي في المقابل موضوع وهدف لآليات السلطة جرّاء سريانها دومًا في مساحات استعصت على السلطة منذ وقت طويل، حيث أضحى تصنيفها وحصرها وعنونتها هو موضوع السلطة وهدفها في كشف حقيقة ذوات من هم تحت سلطتها، لإدارة تلك العلاقة بشكل يضمن استمراريتها.

تعد المثلية الجنسية هنا بحسب فوكو «المثلي» نوعًا من التمرد والمقاومة لخطاب السلطة، حيث يعتقد فوكو أنَّ السلطة المعرفية هي التي أنتجت خطابًا يصنّف «المثلية» كانحراف عن التيار السائد، ومن ثم أصبحت المثلية بالتالي موقعًا لمقاومة تلك السلطة.

من هنا، بدأت مسيرة طويلة من الاحتجاج منذ أيام الأديب البريطاني الشهير أوسكار وايلد الذي عرف عنه ميوله المثلية، إلى الثورة الجنسية في الولايات المتحدة في ستينات القرن الماضي، وحركات حقوق المثليين في سبعينات القرن الماضي، انتهاءً بناشطي حركات الميم LGBT في مختلف أنحاء العالم، ليتحول الجنس خلال تلك السيرورة في الأخير بحسب ميشيل فوكو إلى معين أساسي لتحديد هوية الفرد وكنهه وجوهر كينونته الفردية.


جوزيف مسعد: «الأممية المثلية» وعولمة حقوق المثليين

في كتابه «اشتهاء العرب»، يقول جوزيف مسعد، أستاذ السياسة والفكر العربي الحديث في جامعة كولومبيا في نيويورك، إن قضية «حقوق المثليين» تسربت من داخل حركات المثليين الغربية إلى الخطاب الأمريكي السائد عن حقوق الإنسان وتغلغلت فيه وانطلقت منه على نطاق دولي واسع سيرًا على النحو ذاته الذي سارت عليه حركات النسوية الغربية التي سعت إلى عولمة أجندتها في البلدان غير الغربية.

بحسب مسعد، سعت حركة المثليين نحو مهمة تبشيرية مشابهة، وهكذا نشأت منظمات يسيطر عليها رجال بيض غربيون، مثل الجمعية الدولية للمثليين والمثليات (ILGA) التي تأسست في عام 1978 بهدف إقامة منبر للمثليين والمثليات و مزدوجي الميول الجنسية والمتحولين جنسيًا على الصعيد العالمي، وكذلك لجنة المثليين والمثليات الدولية لحقوق الإنسان (LGLHRC) التي تأسست عام 1991 وأطلق مسعد على جهودها ومهامها التبشيرية والخطاب الذي أنتجها والمنظمات التي تمثلها تعبير «الأممية المثلية».

ينتقد مسعد في أطروحته التي قدمها في كتابه مسألة تصنيف «المثليين» و«الغيريين» و«رهاب المثلية الجنسية» كأنها هويات وظواهر عابرة للتاريخ، حيث يُنتج هذا الخطاب بحسبه المثليين جنسيًا في أماكن لا وجود لهم فيها من خلال تحويله بعض الممارسات إلى هوية، وتدويل ثنائية الغيريّ/المثليّ على شعوب العالَم برمته.

يعتقد مسعد أن «الأممية المثلية» بحسب وصفه عندما تحرض على هذا الخطاب فإنها تدمر الأشكال الاجتماعية والجنسية وتعيد توجيه الشهوة لمصلحة إعادة إنتاج عالم على صورتها الخاصة تَأْمن فيه تصنيفها وشهواتها الجنسية من المساءلة، وتشعر فيه بارتياح الضمير تجاه عالم تجبره على مشاطرتها هوياتها.

ولكن في استدراك على هذا الحديث، يقول مسعد من جهة أخرى في أحد الحوارات التي أجريت معه:


عبد الوهاب المسيري: المثلية والمادية وتفكيك الإنسان

إنّني لا أحاجج بأنّ هذه الهويّات الجنسيّة دائمًا ما تفشل في مأسسة نفسها داخل أو خارج الغرب أو أنّ هذا الفشل كلّيّ، بل هي تنجح وتفشلُ، على نحو متباين، عبر الطبقات والدول وفقًا لتأثير البنى الرأسماليّة، وما تنتجه من أنماط حياةٍ، ومعايير، وأنساق عيش حميميّة لطبقات مختلفة، والتي هي بدورها حصيلة للتفاوت في التطور الرأسماليّ. ففي حين أنّ رأس المال الإمبرياليّ غالبًا ما يكون مُنتِجًا لهويّات جديدة، بما في ذلك هويّات جنسيّة متناسبة مع النموذج البورجوازيّ للأسرة النوويّة غيريّة الجنس الذي ينشره حول العالم، فأيًّا تكن الهويّات الجنسيّة الجديدة التي يخلقها ويولّدها في الأطراف الخارجيّة، فإنها لا تكون دائمًا أو غالبًا قابلةً لأن تُوزّع على ثنائيّة غيريّ/مثليّ. أما سعْي دعاة الأمميّة المثليّة إلى دمْج تلك الهويّات من خلال إقحامها في إطار ثنائيّة غيريّ/مثليّ، إنما هو في حدّ ذاته عَرَضٌ إمبرياليّ ثقافيًّ لتغلغل رأس المال الإمبرياليّ لتلك الدّول، وليس حصيلةً أو أثرًا لهذا التغلغل، كونها لم تتمكن، في معظم الحالات، من إعادة إنتاج أو فرْض هويّات جنسيّة أوروبيّة معياريّة على غالبيّة السكّان. وههنا، علينا أن نضع باعتبارنا، كما ينبّهنا إدوارد سعيد، أنّ «الإمبرياليّة هي عملية تصدير الهويّة». وأنها تعمل في سياق إنتاج اللا-أوروبا على أنّها آخرٌ، وأحيانًا، على أنها تقريبّا (أو بوسعها أن تكون) على شاكلة أوروبا أو ربّما مثلها.

في كتابه «الفلسفة المادية وتفكيك الإنسان»، يقول المسيري إن الدفاع الشرس عن الشذوذ الجنسي والدعوة إلى تطبيعه يمكن إعادة النظر إليه لا كدعوة للتسامح أو تفهّم وضع الشواذ جنسيًا، بل كهجوم على المعيارية البشرية وعلى الطبيعة البشرية، وكمحاولة لإلغاء ثنائية إنسانية أساسية هي ثنائية الذكر/الأنثى.

بحسب المسيري، الإنسان الذي يتحدثون عن حقوقه في الرؤية الغربية المعاصرة لحقوق الإنسان، هو وحدة مستقلة بسيطة أحادية البعد حيث لا علاقة له بأسرة أو مجتمع أو دولة، وحيث هو في المقابل مجموعة من الحاجات المجردة التي تحددها الرأسمالية واللذة. ويظهر الهجوم على الطبيعة البشرية هنا في المفهوم الجديد للأقليات الذي يروّجه النظام الدولي الراهن وهيئة الأمم المتحدة وبعض المنظمات التي تدور في فلكهما. فالجماعات الدينية الصغيرة أقلية، والجماعات الإثنية الصغيرة أقلية، والشواذ جنسيًا والنساء أقلية، والمعوّقون أقلية، والمسنّون أقلية، والبدينون أقلية، والأطفال أقلية، وكل واحد من هؤلاء له حقوق مطلقة.

ينتقد المسيري تلك النظرة، ويقول إن هذا التصنيف يؤدي في واقع الأمر إلى أن فكرة المجتمع الذي يستند إلى عقد اجتماعي تصبح مستحيلة، إذ إن الحقوق المطلقة لا يمكنها التعايش، وهذا هو ما حدث في فلسطين المحتلة حين جاء اليهود بحقوق يهودية مطلقة شرّدت الفلسطينيين وهدمت وطنهم. إلا أن الأخطر من هذا هو أن تتحول الغالبية العظمى من الناس إلى أقليات، حيث يعني هذا أنه لن تكون هناك أغلبية، وبالتالي لن توجد معيارية إنسانية، حيث ستضحي كل الأمور نسبية وتسود الفوضى المعرفية والأخلاقية.