كان الشاعر الفرنسي «أبولينير» هو الذي ابتدع كلمة السريالية التي تعني «ما فوق الواقع» خلال إحدى مسرحياته، وذلك قبل أن يطلقها مجموعة من الشعراء والفنانين الثوريين على حركتهم الناشئة والتي صدر المانيفستو الأول الخاص بها، وكتبه الشاعر الفرنسي «أندريه بريتون» عام 1924.

لم تكن السريالية مجرد حركة فنية بل رؤية جديدة وثورية للعالم تولدت من صدمة الحرب العالمية الأولى. ولدت السريالية من رماد الحركة الدادائية التي كانت أشبه بصرخة احتجاج عدمية ضد كل شيء، ضد الفن نفسه، الفن الذي لم ينقذ العالم من مصير الحرب المزلزل.

تخلص السرياليون من عدمية الدادائية، وورثوا النار الكامنة تحت رمادها تحدوهم رغبة هائلة في تغيير العالم، العالم المعيب الذي قاد الملايين إلى حتفهم في حرب عبثية، لا يزال شبحها المرعب ماثلًا أمام الجميع. سعت السريالية للكشف عن حقيقة الانسان والعالم التي لا يمكن إدراكها بالعقل والمنطق والتعبير عنها بعيدًا عن أي رقابة يمارسها العقل وخارج أي استغراق جمالي أو أخلاقي. هاجم السرياليون العقل والمنطق كأدوات وحيدة للمعرفة ملتمسين العون من عدد من أشكال المعرفة اللاوعية كالحلم والأسطورة والمخيلة الشعرية، إذ آمن السرياليون بما سماه فرويد الواقع الجوهري، الواقع القائم تحت نطاق الوعي، فالواقع الظاهري ليس سوى جزء صغير من اللغز الذي يغلف الحياة البشرية.

سعى السرياليون إلى تحرير اللاوعي الإنساني تحت تأثير نظريات فرويد التي كشفت عن الحياة الداخلية وعالم الغرائز المكبوتة، حيث هناك في هذه الأعماق المظلمة تكمن حقيقة الانسان.

لم تكن السريالية إذن حركة منافية للواقع بل هي وعي حاد بإمكانياته الكامنة. هناك هذه الحكاية التي يحكيها السريالي الكبير «لويس بونويل» للتعبير عن الروح السريالية، لدينا نحات وطفل، يمسك النحات بكتلة من الصخر، يبدأ بالعمل عليها حتى يظهر شكل حصان منحوت. فيسأله الطفل: كيف علمت أنه يوجد حصان في قلب الصخرة؟

السريالية هي ما يجمع الواقع وما وراء هذا الواقع داخل نفس الإطار، هي العين التي تبصر الحصان في قلب الصخرة. تحديدًا هذه العين المندهشة والمفتوحة على آخرها هي ما قاد السرياليون نحو السينما.

يكتب الشاعر السريالي «فيليب سوبو» بعد اكتشافه وسيط السينما: «لقد حصل الإنسان على عين جديدة».


السريالية والسينما

كشفت كتابات السرياليين عن حماس بالغ للوسيط الجديد، ووعي كبير بإمكانياته الكامنة وقدراته التعبيرية المدهشة. كتب «أبولينير» في بداية القرن العشرين: «هذا هو قرن السينما». لكن أهم ما جذب السرياليين نحو السينما كان كامنًا في قدرة السينما على تحقيق الأهداف السريالية، حيث قدرتها الفائقة على الكشف عما يقبع تحت جلد الواقع، يصير العالم الخارجي شفافًا والداخلي أكثر جلاء.

السينما بالنسبة للسريالي كانت عينًا ثالثة أكثر صبرًا ونفاذًا ودقة، يبصر بها ما هو خفي في الإنسان وكامن في الواقع المحيط. وتحت هذا التأثير السحري للسينما لجأ السرياليون أنفسهم إلى صناعة أفلامهم الخاصة التي تحقق رؤيتهم السريالية. صنع السرياليون عددًا قليلًا من الأفلام، حيث اتضح فيما بعد إن اهتمام السرياليين كان بالأساس منصبًا على الوسيط نفسه، وليس على الصناعة وهو ما يقودنا للسؤال الأهم، ما الذي يجعل فيلمًا ما سرياليًا؟

هل يشترط أن يكون نتاجًا مباشرًا للجماعة السريالية التي وصلت أوجها فترة ما بين الحربين ثم تفككت من بعد تاركة أثرها المستمر حتى الآن على كل الفنون؟

الآن وبعد أن صارت السريالية كلمة متداولة في قاموس معاملاتنا اليومية لتصبح قرينة لما هو غير طبيعي، غريب أو غامض، هل الغموض والغرابة كافيان لجعل فيلم ما سرياليًا؟

يكتب «مايكل ريتشاردسون» في كتابه الهام «السريالية والسينما»:

لا يمكن تحديد الأعمال السريالية عبر أسلوب أو شكل محددين بل كنتاج لممارسة سريالية.

يرى ريتشاردسون أن محاولة تحديد السريالية عبر أسلوب ما أو جماليات خاصة هي في حد ذاتها ضد جوهر السريالية، فقد قاوم السرياليون دائمًا فكرة وضع حركتهم ضمن إطار محدد أو منهج ثابت. يفضل ريتشاردسون الحديث عن سريالية سينمائية بديلًا عن مصطلح «الفيلم السريالي»، فالسريالية ليست نوعًا فيلميًا. ما يمنح فيلمًا ما صفة السريالي إذا ليس أسلوبًا ما أو جماليات محددة بل العلاقة التي تصله بالسريالية كمفهوم وجوهر.

حسب المانيفستو السريالي، هذه هي بعض المبادئ المؤسسة لمفهوم السريالية:

المزج بين الواقع والحلم، بين المرئي واللامرئي، الاحتفاء بالمدهش، تحرير اللاوعي، السعي لتعرية المجتمع وصدمه عبر زعزة ثقته بالواقع وبمؤسساته القائمة التي تسعى لتكبيل حريته وطمس حقيقته، استكشاف ممالك الحلم والرغبة باعتبارهما منبعين للإلهام السريالي.

فيما تبقى من مساحة هذا المقال نتناول قائمة بخمسة أفلام استطاعت تجسيد الروح السريالية على نحو واضح.


1. The Seashell and The Clergyman

عرض الفيلم للمرة الأولى عام 1928، من إخراج «جيرمين دولاك» عن نص كتبه «أنتونين آرتود» ويدور حول قس مهووس بامرأة أحد الجنرالات. الفيلم بأكلمه (41 دقيقة) له منطق الحلم/الكابوس حيث الصور الغامضة هي فيض لاوعي القس الذي يعاني من كبت وإحباط جنسي واضحين.

توظيف سينمائي مبكر جدًا للمفاهيم الفرويدية، حيث تعيد العلاقة الثلاثية بين القس والمرأة والجنرال الموقف الأوديبي بمعناه الفرويدي، أما السرد الفيلمي فهو على نحو ما هو محاولة القس التخلص من غريمه الأقوى (الجنرال) ليفوز بالمرأة. يعتبره الكثير من النقاد بمثابة الفيلم السريالي الأول رغم وجود عدد من الأفلام التي سبقته وإن طغت عليه شهرة ونجاح فيلم «كلب أندلسي»، تحفة بونويل ودالي.


2. Un Chien Andalou – كلب أندلسي

ربما هو الفيلم السريالي الأشهر بصوره الصادمة الأيقونية، مثل صورة شفرة الحلاقة التي تقطع عين امرأة، أو النمل الذي ينسال من جرح في يد.

عرض الفيلم للمرة الأولى عام 1929 وهو مبني على سلسلة الأحلام الخاصة بالمخرج «لويس بونويل» والرسام «سلفادور دالي»، إذ لا توجد أي حكاية تروي في الفيلم، بل سيل من الصور الغامضة والصادمة التي تقاوم أي تأويل عقلاني. كل شيء قابل للتحول في فيلم بونويل ودالي، كل شيء يبطن مفاجأة ما، انتهاك عجيب لكل منطق وسببية. يستكشف الفيلم مواضيع الغرائز، الجنس والعنف على نحو سريالي أصيل.


3. The Blood of Poet

يعتبر الفيلم الذي صنعه «جان كوكتو» وعرض للمرة الأولى عام 1930، هو الفيلم الأول ضمن ثلاثية أفلام تستلهم أسطورة أورفيوس، الشاعر الذي هبط إلى العالم السفلي لإنقاذ محبوبته من الموت.

هنا يتضح أحد المبادئ السريالية التي تسعى إلى استلهام الميثولوجيا باعتبارها تجليًا للاوعي الجمعي تمامًا مثلما الأحلام هي انعكاسات اللاوعي الفردي.

بطل كوكتو في رحلته عبر المرآة إلى عالم حلمي غامض يحاكي رحلة أورفيوس الأسطورية إلى عالم الموت. يحرر كوكتو الأسطورة من سردها الخطي ويعيد خلقها عبر فيض من الصور الشعرية والابتكارات البصرية.

يكتب كوكتو عن فيلمه:


4. Eraserhead

الفيلم الذي عرض للمرة الأولى عام 1977، هو الفيلم الروائي الأول للمخرج الأمريكي «ديفيد لينش». هنا يتجاور الكابوس والواقع داخل نفس الإطار.

يدور كابوس لينش هنا في فيلادلفيا المدينة التي يصفها لينش بأنها من أكثر مدن العالم مرضًا وخطرًا وتفسخًا. لدينا هنري عامل بأحد المصانع، يقيم علاقة مع امرأة اسمها ماري تنجب له مخلوقًا مشوهًا ثم تهجره لأنها لا تحتمل بكاء طفلها الذي لا ينقطع. لا يوجد الكثير من الأحداث التي تجري على السطح، البقية لكوابيس الداخل.

يتقبل هنري مثل بقية أبطال لينش الأحداث الغريبة التي تحدث له تمامًا مثلما يتقبل الحالم حلمه. ينجح لينش في فيلمه إلى تحويل أشياء وبشر الحياة اليومية إلى صور كابوسية وجروتسكية، الدجاجة التي تقدم له على مائدة الطعام في بيت ماري تتحرك بطريقة ميكانيكية وتنزف دمًا، الطفل الوليد على شكل حيوان منوي، وهناك امرأة مشوهة الوجه تغني داخل مدفأة.

فيلم «Eraserhead» هو أقرب أفلام لينش للروح السريالية من حيث قدرته على تحرير اللاوعي وقدرته على توليد الصور السوريالية الصادمة والغامضة التي تتدفق على الشاشة دون حبكة واضحة أو منطق يحكمها، وعلى كل مشاهد أن يجد مدخله الخاص لفهم عالمه وتأويل صوره.


5. Alice

إنه أشبه بالنزول إلى النفس، وسيلة لتوظيف ميكانيكية الحلم في حالة اليقظة، حيث تتعاقب الأشياء كما تشاء هي دون قدرة منا على تعديلها أو ترتيبها.

5

يوصف الفيلم الصادر عام 1988 بأنه التجسيد السينمائي الأكثر غرابة لرواية لويس كارول الكلاسيكية «أليس في بلاد العجائب». يستلهم المخرج التشيكي السريالي «يان شفانكماير» العمل الكلاسيكي بعيدًا عن نمطه السردي وفلسفته المدرسية، بل يقدم هنا عبر منظوره السريالي رحلة عبر اللاوعي الخاص بطفلة تعاني من وحدة هائلة وفي مجاهل لاوعيها يبدو كل شيء كئيبًا وممزقًا ومهملًا.

يمزج شفانكماير في فيلمه بين ما هو يومي وما هو خيالي، بين التحريك والسينما الحية مزيحًا العوالم الفانتازية الساحرة للعمل الأصلي مقابل بصريات موحشة وقاسية. العمل أشبه بجحيم طفلة وحيدة.

ساعدنا السورياليون عبر نهجهم الاستثنائي في تثوير الطريقة التي نعبر بها عن ذاتنا، عن حقيقتنا وحقيقة العالم. منحونا فرصة أرحب لمعانقة غموض عالمنا وغرابتنا الداخلية.