يقولون إن وسائل المواصلات السريعة وشبكات الإنترنت جعلت من العالم قريةً صغيرة. لكن هناك شيئًا أكثر خطورةً سبق تلك التكنولوجيا في جعل العالم قريةً ضيقةً. اختراعان تجاوزا حدود الجغرافيا فهما موجودان في كل صراعٍ مهما كان مكانه. وتجاوزا حدود التاريخ فهما الفاعلان الرئيسيان في الحروب منذ ولادتهما من ستين عامًا حتى الآن. كما تجاوزا حدود الأيديولوجيا والنزعة والقبيلة، فلا ضرر من استخدامهما في الحروب الأهلية والنزاعات الداخلية بين أبناء التوجه الواحد أو القبيلة الواحدة. عشرة ملايين بندقية «إم -16/ M16» و 100 مليون بندقية كلاشنكوف أو «إي كي -47» يجوبان العالم بحثًا عن الحروب والمجازر.

لا مكان للحرب أو الآلة العسكرية في رأس الطفل «ميخائيل كلاشنكوف». ولدٌ لأبوين فلَّاحين رُحِّلا بأمر ستالين إلى «جولاد». يريد خدمة الاتحاد السوفييتي باختراع آلات زراعية أكثر كفاءة مستخدمًا شغفه بالفيزياء. لكن الحرب دائمًا ما تُخرج الوحوش من مكامنها في النفوس البشرية. الرقيب الأول «ميخائيل كلاشنكوف» يقود دبابته للدفاع عن الاتحاد السوفييتي. إصابةٌ خطيرة أخرجته من الخدمة عام 1941. أثناء علاجه رأى افتتان الجرحى الروس بالسلاح الألماني الآلي.

عكف كلاشنكوف طويلًا على فك وتركيب السلاح الألماني. الغيرة جعلته يتجاوز عقبة أنه لم يدخل الجامعة يومًا، كما أنه لم يكن ماهرًا في الرسم.  الهوس بتصميم السلاح الآلي الذي لا يُجارى استعمر عقله وقلبه. لاحقًا استخدم عدم حمله شهادةً جامعيةً تفسيرًا لاختراعه سلاحًا قويًّا وبسيطًا مثل بندقية «إيه كي -47». قال إن الجنود في الحرب لا يحملون شهاداتٍ جامعية، ولا يمكنهم التعامل مع سلاح معقد يحتاج إلى دراسة قبل أن تحمله. لذا أراد كلاشنكوف أن يخترع سلاحًا بسيطًا ومتينًا. بالفعل نجح في اختراع السلاح المثالي المقاوم للحرارة والبرودة. لا يُعطبه الطين ولا الرمال. يتغلب على رمال الصحراء ومياه الغابات.

بعد 6 سنواتٍ من العكوف على التصميم والدراسة أخرج كلاشنكوف أول تصميم لسلاحه عام 1947. سريعًا ما حصل على جائزة ومباركة ستالين لاختراعه. أُرسل بعيدًا عن موسكو بألف كيلومتر ليشرف على خط إنتاج لا يتوقف من إنتاج سلاحه. عامان استغرقتهما القيادات الروسية قبل أن تتخذ من كلاشنكوف سلاحًا رسميًّا للجيش الأحمر. حينها كانت نقطة الانطلاق الفعلية لإنتاج السلاح الذي سيُغير وجه المعارك في العالم.  عملٌ دءوب لمدة 24 ساعة متواصلة لإنتاج بندقية كل 50 ثانية، بإجمالي 600 ألف بندقية كل عام. كل واحدة تزن 5 كيلوجرامات، بمخزنٍ يتسع لثلاثين طلقة، يمكنها أن تُطلق حتى 600 طلقة في الدقيقة.

ما ساعد في ترويج كلاشنكوف إضافةً لكفاءتها، رمزيتها. أصبحت الكلاشنكوف رمزًا للشيوعية. حصلت الصين على حق إنتاجها ومخططاتها. ووُزعت على كل المعكسر السوفييتي والمؤيد له. حتى إن الكوبي «فيديل كاسترو» نُشر له فيديو برفقة وفد روسي يصطاد باستخدام بندقية كلاشنكوف. الرسالة كانت أن كوبا باتت الآن حليفًا روسيًّا لا أمريكيًّا كما كانت الولايات المتحدة تطمح.  لم تكن كوبا أول من تخسرهم الولايات المتحدة لصالح الكلاشنكوف الروسية، سبقها كوريا الشمالية، سوريا، مصر، إيران، والعراق. جميعهم جذبتهم دعوى مناهضة الهيمنة الأمريكية وشعارها الكلاشنكوف.

أمريكا ترد: البندقية الفضائية

عشر سنوات والولايات المتحدة عاجزة عن فعل أي شيء. بناؤها من الحلفاء يتداعى، دولةٌ تلو الأخرى تقتني الكلاشنكوف وتبايع الاتحاد السوفيتي. حتى وُلدت الـ «إم -16». منذ لحظاتها الأولى اتضح الفرق بين السلاحين. البندقية الأمريكية تعتمد على التقنية العالية والتركيب المعقد. بدلًا من الخشب والمعدن اللذين صُنعت منهما كلاشنكوف استخدم «يوجين ستونر» الألومنيوم الخفيف لتصميم سلاحه الجديد. تعقيد الـ «إم -16» استخدمته الولايات المتحدة كإشارة إلى ذكاء المجتمع الأمريكي وتفوقه العقلي على الدب الروسي.

ليس غريبًا أن تكون الـ «إم -16» أذكى، فمخترعها عوَّض عدم حمله لشهادةٍ جامعية بالعمل في مجال الصناعات الفضائية. واُعتبرت لفترة طويلة سلاحًا فضائيًّا. شهرتها جاءت من خفة وزنها البالغ 3 كيلوجرامات، وخدعة عبقرية. الخدعة كانت فكرةً ثوريةً لاستعادة الغاز فورًا بدلًا من استخدام الأسطوانة المتعارف عليها. الفكرة منحت البندقية سرعةً في الأداء، وخفةً في الوزن بسبب الاستغناء عن الأسطوانة المعدنية.

الـ «إم -16» هى الأكثر استخدامًا في الولايات منذ نصف قرن. وحرصت الولايات المتحدة على تطويرها لتلائم ساحات القتال المختلفة التي تخوضها الولايات المتحدة. فهناك النموذج المُشارك في حرب فيتنام، حيث الغابات الكثيفة والأمطار. وهناك النموذج المشارك في حرب العراق حيث الجفاف والصحارى الشاسعة. لكن رغم هذا التنوع والتطوير الدءوب لم تصل بعد بندقية «إم -16» إلى القمة حيث تُخيِّم البندقية الشامخة «كلاشنكوف».

العائق الأكبر في سبيل الاختراع الأمريكي كان ذكاؤه وتعقيده. فحين طُرحت في الأسواق لم يستطع الكثيرون التعامل معها، فاقتصرت شيئًا فشيئًا على جنود الجيش الأمريكي، أو القوات الأجنبية التي تُدربها الولايات المتحدة. حتى حين أثبتت كفاءتها القتالية مع الجنود الأمريكيين لم تُعتَمد سلاحًا رسميًّا للجيش. السبب كان تأثير أباطرة صناعة الأسلحة التي يستخدمها الجيش مثل بندقية الـ «إم -14». لم يريدوا لترسانتهم أن تصبح في المرتبة الثانية، أو تفقد بريقها الدعائي في الخارج.

أمريكا تنحر أبناءها

خوفًا على الأرقام الاقتصادية أرسل الأمريكيون جنودهم إلى فيتنام مسلحين بالـ «إم -14» القديمة في مواجهة الكلاشنكوف الروسية الجديدة.  النتيجة لم تكن مفاجأة، الكلاشنكوف أثارت الهلع في قلوب الجنود الأمريكيين. رصاصاتها المتتابعة قنصت وقتلت عددًا كبيرًا من القوات الأمريكية. ودفعت عددًا أكبر للفرار، خاصةً أن الروس قد تبرعوا بعددٍ ضخم من البنادق للمزارعين الفيتناميين. بيئة فيتنام المليئة بالمياه والغابات منحت الأفضلية للـ «إيه كي 47» الروسية، وكشفت عن نقاط ضعف نظيرتها الأمريكية.

استغاث الجنود الأمريكيون ببلدهم أن ترسل لهم سلاحًا جديدًا. الجنود على الجبهة يتساقطون تباعًا، والساسة والاقتصاديون الأمريكيون يفكرون في تخفيض تكلفة الإنتاج. النتيجة بنادق «إم -16» بلا أي دليل على الاستخدام وبدون أدوات صيانة. ظن الجنود أن ذلك يعني سهولة الاستخدام وعدم الحاجة للصيانة. لكن المفاجأة كانت أن نقطة ماء واحدة يمكنها تعطيل البندقية. لهذا تآلف الجنود على تسميتها بالـ «رضيعة» لحاجتها المستمرة للنظافة والعناية الفائقة وعدم احتمالها ظروف الحرب القاسية.

نصف البنادق التي أُرسلت تعطلت أثناء القتال. ما ترك الجنود الأمريكيين كالدجاج المذعور أمام الدب الروسي الذي لا يتوقف. في المقابل لم يُعثَر على بندقية كلاشنكوف واحدة مُعطلة في ساحة المعركة. كما لم تكن تتطلب أي قدر من العناية بالنظافة أو الاهتمام. أمام هذا الفارق سرت شائعة بين الجنود أن الـ «إم -16» لم تُصنَّع في مصانع شركات السلاح الأمريكية بل في مصانع الألعاب. الشائعة تضخمت حتى باتت حقيقةً في عقل الكثيرين. الخجل والإحراج لفَّا الجنود الأمريكيين.

لم يعد الوضع يُحتمل فقرر بعض الملازمين والجنود عصيان الأوامر العسكرية وفضح ما يحدث في فيتنام. كتبوا رسائل يصفون فيها ما حدث وأرسلوها إلى أعضاء مجلس الشيوخ والصحف الأمريكية. انتهى الأمر بعد أيام ثقيلة من الروتين بإصدار تقرير يدين الـ «إم -16» صراحةً. كما تحدث التقرير عن إهمال متعمد يصل لدرجة الجريمة نتج عن تواطؤ شركات السلاح لتزويد البندقية بذخائر غير صالحة للاستخدام لأسباب اقتصادية. الذخائر هى البارود العادي المُستخدم في الحرب العالمية الأولى والثانية. إذ صُممت البندقية على استخدام نوع الباورد غير المُدخن، لكن لوجود فائض ضخم من بارود الحروب العالمية استخدمه الجيش دون استشارة المصممين.

ساحات المعارك

بندقية كلاشنكوف لم تُمس أثناء الحرب، لا تعديل ولا تطوير. لكن السلاح الأمريكي لحقه العديد من التطورات كي يتناسب مع بيئة فيتنام، مثل صناعة أجزائه من الكروم المقاوم للصدأ للتغلب على رطوبة فيتنام. لكن لم يشفع هذا التعديل المتأخر لها، ففازت الكلاشنكوف بالحرب وخسرت الـ «إم -16» أول معارها وأهمها. وسيُخلد التاريخ هذا الفشل الأمريكي وإعلاء التوفير الاقتصادي على حياة أبنائهم.

الأفضلية التي تميزت بها الـ «إم -16» كانت عنصر المفاجأة في الانقلابات. وحيثما وجدتها في يد منفذي الانقلاب فاعلم أن الولايات المتحدة هى من تقف وراءه. في تشيلي أهدى كاسترو رفيقه «سلفادور أليندي» بندقية كلاشنكوف بمناسبة فوزه بالانتخابات. بدلالتها الرمزية علمت الولايات المتحدة أن تشيلي صارت ماركسيةً، فلم تطق صبرًا. انقلاب دبرته الاستخبارات المركزية الأمريكية بمساعدة الجنرال «بينوشيه». آخر صور أليندي كانت وسط حرسه حاملًا الكلاشنكوف هدية كاسترو وهو يخرج من القصر. قُتل أليندي بالـ «إم -16» أثناء فراره، لكن أُشيع أنه انتحر بالكلاشنكوف التي يحملها.

بعد فيتنام وتشيلي تواجهت البندقيتان في ساحة أخرى، عربية هذه المرة. إسرائيل وجيش لبنان والمليشيا المسيحية تُمسك بالـ «إم -16». منظمة التحرير الفلسطينية والقوات السورية والمليشيا الشيعية تُمسك بالكلاشنكوف. جنوب لبنان كان مكان اللقاء الأول للفرنسيين مع الكلاشنكوف. أرسلت الأمم المتحدة جنودًا فرنسيين ليقفوا حائطًا بين الفدائيين الفلسطينيين والجيش الإسرائيلي. تعرَّفه الفرنسيون عبر مقتل ثلاثة من جنودهم وإصابة قائدهم باثنتي عشرة طلقة.

ثم كان اللقاء الأهم بين البندقيتين في أفغانستان. اللقاء الذي أظهر تفرد الكلاشنكوف مؤقتًا. كأنَّها رفيق شيوعي صارم فقير يحمل المطرقة والمنجل يُنفذ ما يُطلب منه بلا تردد. أما الـ «إم -16» فهى فتاة أمريكية بيضاء رقيقة مزاجية تعمل متى شاءت ولا تعمل معظم الوقت. الفارق الذي اتضح أن الأمريكيين قد فهموه أخيرًا. لذا كانت المفاجأة أن الاستخبارات الأمريكية حين أرادت تسليح المقاومة الأفغانية اختارت الكلاشنكوف الروسي. السبب المُعلن أن الولايات المتحدة أرادت أن تختبئ ولا تظهر في هذا المشهد، أو أنها أرادت أن تضرب الروس بالحلفاء والأعداء معًا. لكن الواقع يقول إن الناس فقدت الثقة في السلاح الأمريكي وصارت الكلاشنكوف كالأسطورة.

الروس يذوقون سُمهم

أسطورة الكلاشنكوف صمدت حتى حين انهار الاتحاد السوفييتي. بل صعدت على أنقاض الاتحاد لتصبح في متناول الجميع. الأمريكيون أنفسهم ساهموا في مكافأة ميخائيل كلاشنكوف بصورة مباشرة. على النقيض من ستونر الذي أضحى مليونيرًا بسبب اختراعه، لم يُمنح كلاشنكوف، ولم يطلب، امتيازاتٍ أكبر من تسمية السلاح باسمه والحفاظ على عمله كمهندس في المصنع الذي يُنتج اختراعه.  لا ترقيات، لا قصر فاخرًا، لا مرتب ضخمًا. حتى جاءت مقالة أمريكية تلفت النظر إلى حياة كلاشنكوف ودوره في تسليح كامل الاتحاد السوفييتي. بعد المقالة فجأة ترقى الرجل لرتبة عقيد.

بعد المقالة والترقية تلقى الرجل دعوةً من الجانب الأمريكي لزيارتها. مفاجأة لكلاشنكوف، والمفاجأة الكبرى أن الجانب الروسي لم يرفض الزيارة. في تلك الزيارة تقابل أخطر رجلين في العالم، يوجين ستونر وميخائيل كلاشنكوف. على غير المتوقع صارا صديقين مقربين. هذه الزيارة كسرت الحاجز النفسي بين الأمريكيين وسلاح كلاشنكوف، ما ساعد على انتشارها في السوق الأمريكية بصورة أكبر. خاصةً أن سعرها في السوق الأمريكية نصف سعر الـ «إم -16».

دار الزمان دورته وحان الوقت ليذوق الروس مرارة سلاحهم الذي لا يُقهر. في غزو شبه جزيرة القرم اُستخدمت  البندقية من الطرفين، الانفصاليين والموالين. لتكتمل بذلك دورة سلاحين من أخطر ما عرفت البشرية حتى الآن. أما الدورة النفسية فقد تجلَّت في كهولة اللواء كلاشنكوف حين لجأ للكنيسة في أواخر أيامه. الندم والتساؤل يملآن كلماته بعد بلوغه سن التسعين قبل 3 سنوات من وفاته عام 2013. سلاحه سلب ويسلب حياة الآلاف كل عام. لم يُذكر عن ستونر، المتوفى عام 1997، تساؤلاته أو لحظات شكٍّ كالتي مر بها كلاشنكوف. لكن ربما لأن كلاشنكوف قد صنع السلاح المثالي حقًّا، السلاح الذي لم تقدر الولايات المتحدة على هزيمته حتى الآن.