الأم: تفضّل (بالصيني) محيي: تشوشو مين، دا صرصار! لِي: كُل. محيي: آكل إيه، دا عندنا بيضربوه بالشبشب (الحذاء). لِي: كُل، وإلاّ تبقى إهانة. محيي: إهانة إيه، آكل صراصير ليه أنا! الأب: كُل. محيي: لا حضرتك أنا باكل دبّان (ذباب)، مش صراصير.

هذا الحوار هو مشهد سينمائي من فيلم «فول الصين العظيم» للمبدع محمد هنيدي؛ بين «محيي» من مصر بطل الفيلم، وعائلة الفتاة «لِي» التي التقى بها في رحلته إلى الصين. دار هذا الحوار بين «محيي» ووالدي الفتاة على مائدة طعام؛ حيث قدّموا له الصراصير المقرمشة كنوع من اختبارات الزواج؛ ليثبت بها العريس أنه كفؤ، ويستطيع تحمل مسؤولية ابنتهم؛ مهما كانت شاقة!

وبغض النظر عن إن كان أكل الحشرات هو بالفعل نوع من اختبارات الزواج في الصين أم لا؛ إلا أن أكل الحشرات عمومًا هو جزء من ثقافات بعض الشعوب. وربما سيكون جزءًا من غذاء العالم مستقبلًا.

ومنذ أن خلقت الكائنات الحية؛ فإن جميعها يتغذى على بعضها، حيث يبحث كل منها على مايبقيه حيًا. كذلك البشر حين نبحث عن طعامنا؛ فإننا نبحث دائمًا عن العناصر الغذائية فيه مثل البروتينات، الكربوهيدرات والدهون التي يحتاجها جسم الكائن الحي من أجل استمرارية النمو، وإجراء العمليات الحيوية بشكلٍ صحيح، وتوفير الطاقة. كما أن النكهة هي عامل أساسي في قابليتنا لتناول أي نوع من أنواع الطعام.


مسئولو التذوق

بيتزا شهية

إذا جلست على مائدة طعام في أحد المطاعم الفاخرة على نهر النيل مثلًا، ووجدت أن هناك بعض النمل المقرمش قد طُهي في وجبة الدجاج الشهية التي طلبها؛ حتمًا سيكون رد فعلك هو الاشمئزاز والصراخ. تصرفك هذا لا يبدو لطيفًا مع شخص يفضّل صحنًا من النمل المقرمش كمقبلات قبل تناول وجبته في مكانٍ ما في العالم.

وبين الحشرات المقرمشة؛ وما يتناوله البشر بشكلٍ عام يوميًا في أرجاء الكوكب؛ فإن تناول الأنواع المختلفة من الطعام محدود بعوامل متعددة. فهناك مثلًا من لا يجد في البيتزا كفايته في إشباع وتلبية نداء معدته، أو أن «السبانخ» وجبة تصلح لتكون وجبة غداء عادية. إذًا؛ لماذا وكيف نحب ونأكل ما نأكله؟

بشكلٍ عام نحن تناولنا طعامنا من خلال التذوق سواء كان بالطعم أو الرائحة، والعين أيضًا. فالعين على سبيل المثال تنجذب لأشكال الطعام الجيدة؛ فلا يمكنك تناول أي طعام ذي مظهر عام سيئ حتى وإن كانت مكوناته جيدة.

أما حاسة الشم فهي عامل فعّال للغاية. فحين تشم رائحة طعام شهي؛ تستقبلها مستقبلات الرائحة في تجويف الأنف التي تكشف عن آلاف النكهات المعقدة. ثم تبدأ معدتك في الصراخ محفّزة إيّاك كي تتوجه لأقرب مطعم؛ من أجل تناول وجبتك القادمة!

أيضًا تنبهنا حواسنا في التذوق إلى مدى صلاحية الطعام أم لا. فإذا كان الطعم حمضيًا أو مرًا؛ هذا يعني أن الطعام ليس صالحًا للاستهلاك أو عفنًا. أما إذا كان الطعم حلوًا؛ فهذا يعني أن الغذاء مليء بالمواد الغذائية، وصالح للاستهلاك. وبالنسبة للبشر هناك خمسة نكهات مختلفة نميّزها وهي المالح، الحامض، الحلو، المر، والنكهة المميزة للحوم والأجبان.

يمتلك البشر براعم تذوق تصل إلى ما بين 2000 – 5000 برعم متناثرة على اللسان تعرف باسم «حليمات التذوق – papillae». يحتوي كل برعم ما بين 50 – 150 من مستقبلات التذوق.

تعمل مستقبلات التذوق كمستقبلات كيميائية تتفاعل مع محفزات الذوق؛ لتبدأ إشارة تنتقل إلى الدماغ حيث نتصور الذوق. على سبيل المثال؛ نستطيع تذوق الطعم المالح من قبل مستقبلات الذوق التي تستجيب بشكلٍ أساسي إلى كلوريد الصوديوم.

جيناتنا وبيئتنا المحيطة؛ هي عوامل تحدد ذوقنا في تناول الطعام. فالجينات تلعب دورًا أوليًا في إعطاء الشخص ذوقه الذي يفضّله، أما البيئة فهي عامل يسهم في تعلّم الأذواق الجديدة للأشخاص، كذلك الخبرة في تناول أصناف متعددة من الطعام، والعمر.

هذا ما يقوله الدكتور «ليزلي ج. شتاين – Leslie J. Stein» من مركز «مونيل للحواس الكيميائية – Monell Chemical Senses Center» في فيلادلفيا عمن المسئول عن نكهاتنا وأذواقنا المفضلة.

يذكر شتاين؛ أن هناك أبحاثًا تثبت أن جيناتنا تسهم على تحديد كيفية اكتشاف الذوق الأساسي لنا، حيث تؤثر على تكوين مستقبلات التذوق. هذا الاختلاف الجيني يجعلنا نتقبل أنواعًا محددة من الطعام، ونبغض أنواعًا أخرى. كما أن التجربة أو الاعتياد على نمط حياة ما؛ هو عامل مهم يساعد على تحديد أنواع الغذاء للأفراد.

أشهر مستقبلات التذوق؛ هما عائلتان من المستقبلات: T1Rs التي تتذوق الطعم الحلو، وT2Rs التي تتذوق الطعم المر. أدى التعرف إلى هاتين العائلتين إلى فهم بعض الآليات الأساسية الكامنة خلف اختلاف الذوق في الثدييات بشكلٍ عام.


آكلو الحشرات

إذا تساءلت عن آكلو الحشرات في العالم؛ سيكون أول القادمين لذهنك هم السكان الأصليون للمناطق، والشعوب الآسيوية على الأغلب. فالحشرات مثل؛ الصراصير، الديدان بأنواعها، والنمل هي وجبات لذيذة ومهمة في أطباقهم الرئيسية الفاخرة.

حسنًا؛ ليسوا هم وحدهم؛ فوفقًا لإحصائية نشرت عام 2013 على موقع Nature؛ أفادت أن ما لا يقل عن ملياري شخص في العالم يستهلكون الحشرات كجزء من نظمهم الغذائية.

في جمهورية الكونغو الديمقراطية على سبيل المثال؛ الحشرات سلعة أساسية في الأسواق طوال العام، وتستهلك الأسرة الواحدة في العاصمة كينشاسا؛ نحو 300 جرام من اليرقات أسبوعيًا في المتوسط. أي ما يعادل نحو 96 طنًا – ليس من الحلويات أو الشاورما- وإنما من اليرقات المستهلكة في المدينة سنويًا.

وفي قبائل قديمة لا تزال تعيش اليوم في عالمنا مثل قبائل (الكورواي) في إندونيسيا؛ فإن أي كائن حي في غاباتهم هو وجبة طعام. أما الديدان المغذّية والمليئة بالأوميجا في شجرة (الساغو) هي الكائنات الرئيسية التي تدخل في صناعة أغلب أطباقهم الغذائية. وللمعلومة فقط؛ قبائل الكورواي هي آخر قبائل آكلي لحوم البشر على الأرض، ويعيشون على الشجر.

يمكنك مشاهدة هذا الوثائقي الذي يتحدث عنهم:هنا.


الحشرات شئت أم أبيت

هناك نوع من الخوف أو الرهاب؛ هو رهاب من الحشرات. بجانب أنك لم تعتد أكل الحشرات في بيئتك؛ ربما تكون أحد المصابين بهذا النوع من الرهاب أيضًا، والذي يفسّر عدم تناولك لها. لكننا في عام 2050 سنكون مجبرين على تناول ليس النمل المقرمش فحسب؛ بل أنواع كثيرة ومتنوعة من الحشرات كجزء من طعامنا؛ شئنا أم أبينا.

فوفقًا لتقرير منظمة الأغذية والزراعة «فاو- FAO» الذي نشر عام 2013؛ فإنه بحلول عام 2050 سيكون تعداد السكان العالمي نحو 9 مليارات شخص. بالتالي فإن الغذاء المعهود حاليًا لن يكون كافيًا للجميع، وسيضطر البشر بأن يلجئوا لمصادر أخرى كغذاء.

هذا الاضطرار بسبب عدة عوامل مثل؛ قلة الأراضي الزراعية نتيجة التوسع العمراني والصناعات. تغير المناخ الذي سيترتب عليه نتائج مثل؛ نقص المياه الذي يؤثر بشكلٍ مباشر على إنتاج الأغذية. لذا كان لابد من وجود بدائل، وإعداد العدة للمستقبل المجهول.

وفقًا للتقرير؛ فالبدائل تكمن في البحث والتنقيب في الغابات والصحاري؛ حيث هناك نحو 1900 نوع مختلف من الحشرات صالحة للأكل. تشمل هذه الأنواع؛ الخنافس، اليرقات، النحل، الدبابير، النمل، الجنادب، الجراد، الصراصير، النمل الأبيض، العناكب والذباب.

وقبل حلول هذا العام في المستقبل؛ فإننا نجد الطبّاخ الفرنسي «ديفيد فوريكوكس» يقوم بتقديم الحشرات كوجبات طعام فاخرة في مطعمه «أفرودايت- Aphrodite» في مدينة نيس الفرنسية. كما أننا نرى أن هناك مخبوزات ومنتجات حلوى متعددة مصنوعة من الحشرات أيضًا.

أخيرًا؛ يبدو أن النظام الغذائي المقبل سيكون مليئًا بالمفاجآت الأخرى. فمنذ الآن يخبرنا أن الحشرات هي طعام المستقبل، وأنها مورد الغذاء للأفراد؛ فهل حان الوقت لنبدأ بتناولها من الآن كنوع من التدريب والاعتياد؟

على أيّ حال سواء كنت آكلًا للدجاج واللحم والبيتزا، أو آكلًا للحشرات المقرمشة؛ فهنيئًا لك!