في سلسلة أفلام «ألعاب الجوع/Hunger Games» يقوم الحاكم ببناء مقاطعة مثالية له ولصفوة شعبه ورجال دولته. في الوقت نفسه يقوم باستنزاف المقاطعات الأخرى التي تخضع لحكمه، بل يُدشن بينها ألعابًا قتالية تولِّد ثأرًا لا يموت بين المقاطعات وبعضها. فخطه الأولي في الدفاع هو أن يوجه غضب شعبه إلى بعضهم، لكن خطته الأساسية هى جدران مدينته المُحصنة التي بناها لتحميه من لحظةٍ غير متوقعة يدرك فيها الشعب قوته الحقيقية.

في عام 2011 استطاع الثوار المصريون أن يهدموا حصون الخوف التي أحاط النظام المصري (دولة يوليو) بها نفسه في عهد جمال عبدالناصر ومن بعده السادات انتهاءً بمبارك. الأمر الذي أنعش قلب الشعب بأن أيديهم الغاضبة يمكنها أن تنال حكامهم رغم ارتفاع الحصون، لكنه في نفس اللحظة وبالقدر نفسه دق جرس الإنذار لدى الطبقة الحاكمة بأنهم في حاجة إلى حصن جديد، بعيد مكانيًّا بحيث لا تصل إليه أصواتهم، وأشد تحصينًا لا تقدر أيديهم الساخطة على المساس به.


خضراء اللون، حمراء التربة

أسلاك شائكة، حواجز مضادة للانفجارات ترتفع حتى ستة أمتار ويبلغ سمكها بضعة أمتار أخرى، نقاط تفتيش لا يعبر منها الهواء إلا بإذن، هكذا حال المنطقة الخضراء في العراق طوال 15 عامًا. نشأت المنطقة لتحتوي قصور الرئيس السابق صدام حسين، القصر الجمهوري وقصر السلام. عرفت المنطقة رسميًّا باسم «حي التشريع» إذ كانت مسكن أعضاء الحكومة العراقية ومقر العديد من الوزارات.

ثم جاء الغزو الأمريكي للعراق ليُضيف إلى حي التشريع أحياءً أخرى، ثم يُغلفها جميعًا بمزيد من الرهبة والعسكرة، ولا بد من أن يكتمل التناقض بإطلاق اسم المنطقة الخضراء عليها. في أبريل/ نيسان 2003 ثم جعلها مقرًّا لقيادة قوات التحالف والقواعد العسكرية الأساسية، ثم بمرور السنوات أصبحت موطن سفارة الولايات المتحدة وبريطانيا وغيرهما من الدول الكبرى. ذلك بجانب أنها بقيت مقرًّا للحكومات العراقية الجديدة، كل هذه المنشآت تمتد بطول مساحتها التي تتراوح بين ستة إلى عشرة كيلومترات مربعة.

أنا بداخل المنطقة الخضراء للمرة الأولى في حياتي.
مواطن عراقي، 32 عامًا

المنطقة الخضراء لا يدخلها إلا المسموح لهم وفق بطاقات خاصة يحملونها، ولم يُسمح بأي حال من الأحوال لآلاف السكان الأصليين بدخول منازلهم، إذ استحوذت الحكومة الأمريكية والعراقية على 3000 منزل محيط بحي التشريع لإنشاء المنطقة الخضراء في مقابل ثمن متفاوت تدفعه الحكومة، أو لا، لسكان الوحدات الأصليين.

هذه المنطقة تمر بها طرق رئيسية حيوية مثل 14 تموز وحيفا، لكن إغلاقهما معظم الوقت في وجه الشعب يضطر السائقين إلى السير لـ 60 دقيقة بدلًا من 10 دقائق للوصول إلى هدفهم. ويضطر العديد من المواطنين للانتظار أيامًا للدخول إلى المؤسسات الحكومية لإتمام إجراءات ورقية أو قضاء مصلحة ما.

اقرأ أيضًا: العاصمة الإدارية: كيف يمول السيسي مشاريعه القومية؟


فخٌ بنوه لأنفسهم

حاولت الحكومات العراقية المتعاقبة بعد الاحتلال الأمريكي أن تمتص الحنق من صدور العراقيين تجاه المنطقة بفتحها لهم. بدأ الأمر بدعوة صورية في أكتوبر/ تشرين الأول 2015 من حيدر العبادي، رئيس الوزارء آنذاك. ثم بعد ثلاث سنوات كرر عادل عبدالمهدي نفس الدعوة، ثم شرع في تنفيذها جزئيًّا في ديسمبر/ كانون الأول 2018، ثم في نفس الشهر مدَّد ساعات الافتتاح مؤكدًا أن قرار فتحها لا عودة فيه. ثم في يناير/ كانون الثاني 2019 أعلن عبدالمهدي أنها مفتوحة للمدنيين من الخامسة عصرًا حتى التاسعة صباحًا.

إذا كان هذا قرارًا يريدون اتخاذه يمكنهم ذلك، لكنَّنا دائمًا متيقظون للغاية حين يتعلق الأمر بالأمن.
شون رايان، المتحدث باسم الجيش الأمريكي في بغداد

هذه الساعات التي يمنحها المسئولون لا تبدو مرضيةً لمواطنين يرون أن هذه المنطقة أرضهم وحقهم، وأن الحكومة الموجودة فيها ليست إلا احتلالًا لا يختلف عن الاحتلال الأمريكي لأي منطقة في العراق. اشتعل ذلك الشعور بحظر الحكومة على المواطنين المرور عبر العديد من طرق المنطقة حيث يقطن المسئولون، كما بقى البرلمان وقصور صدام حسين تحت حراسة مشددة.

هذا الشعور جعل من المنطقة الخضراء أكثر مناطق بغداد أمنًا وفي الوقت نفسه أشد المناطق تعرضًا للقصف المباشر من قِبل المسلحين. أتباع مقتدى الصدر، الزعيم الشيعي، كانوا يمارسون التصويب على المنطقة بمعدل صاروخ يوميًّا في عام 2008 عبر نهر دجلة. وقبلهم في 2004 قُتل عشرات الجنود الأمريكيين عبر تسلل انتحاريين لسوق الهدايا في المنطقة، التفجير أتى بعد شهور قليلة من استهداف المنطقة أثناء وجود بول وولفويتز، نائب وزير الدفاع الأمريكي، عام 2003. حتى بعد خروج الاحتلال الأمريكي ظلت المنطقة الخضراء رمزًا للفساد، فاقتحمها مسلحون وقاموا بإخلاء مبنى البرلمان.


الحكم من الصحراء

إذا كانت ألعاب الجوع سلسلةً خياليةً، وكانت المنطقة الخضراء في العراق ولها ظروف نشأتها الخاصة التي تختلف عن الأحوال في مصر، فالأقرب إذن إلى مصر اليوم هى مصر الأمس. فالعاصمة الإدارية تستدعي المماليك وحكمهم من خلف أسوار قلعتهم هربًا من غضب الشعب في شوارع العاصمة، فمن ماذا تفر الحكومة الحالية؟

الرواية الرسمية أن العاصمة الجديدة تستهدف تخفيف الزحام على العاصمة الحالية، القاهرة، عبر نقل 6 ملايين مواطن إليها. لكن المستوى السكني الفخم لا يتناسب مع قطاع واسع من الشعب المصري ما يشكك بقوة في مصداقية تلك الرواية. ووجودها في صحراء منعزلة يجعلها موضع تساؤل عن كيف ستقوم بخدمة المواطنين الذين هم سبب إنشائها المُعلن. على الجانب الآخر تبقى رواية أخرى تقول إن الرئيس المصري يُسارع في بناء العاصمة قبل حلول عام 2020 كي يتحصن بها من الغضب المتزايد في الشارع المصري.

العميد خالد الحسيني سليمان المتحدث باسم المنظمة التي تتولى الإشراف على بناء العاصمة الجديدة

يؤكد ذلك ا لقصر الرئاسي المهيب والقاعدة العسكرية المخصصة للحرس الجمهوري التي تحيط به. كذلك فإن الإجراءات الأمنية في العاصمة الجديدة ليست مسبوقةً في مصر، إذ ينتشر في شوارعها آلاف من كاميرات المراقبة ذات خاصية التعرف على الوجوه، يتم التحكم بها من مركز ضخم تحت إشراف وزارة الداخلية.

اقرأ أيضًا: عاصمة إدارية أم ملجأ للنظام: عقلية الكومباوند تحكم


حالٌ أَسود خارج الخضراء

كانت أوامر صدام حسين ماضيةً في إنشاء قوس النصر الذي يمثل قبضة صدام القوية، ويُعد أهم معالم ساحة الاحتفالات الكبرى. بينما كانت قضبته الحقيقية تحصد أرواح الأكراد في إقليم كردستان شمالي العراق تحت اسم حملة الأنفال، نسبةً إلى السورة القرآنية الكريمة. ثم في نفس العام، 1988، هاجم مدينة حلبجة بغاز السيانيد ما أدى لقتل 5000 مواطن فورًا، وإصابة 10 آلاف بعاهات وتشوهات دائمة. لم ينجُ تركمان العراق من قمع صدام أيضًا، فبلغ عدد المقتولين والمختفين قسريًّا منهم نحو 17 ألف مواطن.

كذلك طال قمعُه قرية الدجيل بتجريف 1000 كم مربع منها وإعدام عشرات من رجالها. كانت هذه الإجراءات وقائيةً كي لا يتعرض موكب الرئيس مرةً أخرى لإطلاق نار أثناء مروره في هذه القرية كما حدث في عام 1982. يشرع عمال صدام في بناء قصره الجمهوري، وقصر السلام، وقصر المؤتمرات. ويقوم جنوده المجهولون بمهمة الدعوة إلى السلام والمؤتمرات بحرق أكثر من 727 بئر نفط كويتية. رسالة السلام قالت إن قمع صدام ليس محليًّا فقط، بل دوليًّا كذلك. كما ارتفع الدخان الناتج حتى وصل حدود اليونان غربًا والصين شرقًا.

في العام 2003 تدخلت الولايات المتحدة وبريطانيا، بدعوى مواجهة أسلحة الدمار الشامل التي يملكها العراق. تتابعت تماثيل صدام حسين في السقوط، وتهاوت المدن العراقية ورجال الحكومة أمام الغزو المكثف. توهم العراقيون أن رفاهيتهم وحريتهم تمثل شيئًا للاحتلال الأمريكي، الأمر الذي ثبت خطؤه في ظل حكم قوات التحالف، ومن بعدها الحكومات العراقية المتتابعة الموالية للاحتلال وحده. فلا زال الخطر، ولا حل السلام. فأينما وليت وجهك فثَم الفوضى، والطائفية بلغت مرحلةً لا يمكن الرجوع عنها. وعمليات خطف وقتل لمدنيين، وتهجير لأقليات.

الجانب المشرق أن العراق حضر بقوة على الساحة التجارية الدولية مقارنةً بحاله إبان حكم صدام نظرًا للعقوبات المفروضة علية آنذاك. التقارير الدولية تقول إن العراق حقق أرباحًا قدرها 800 مليار دولار منذ 2003 حتى الآن، لكنها تقول أيضًا إن 320 مليارًا منها لم تدخل خزينة الدولة أبدًا. الانهيار وصل إلى الجيش العراقي الذي اُعتبر الأقوى في المنطقة لفترةٍ طويلة، فهو اليوم خارج التصنيف الدولي تمامًا. بل يُعتبر الجيش الثاني في العراق نفسه بعد قوات الحشد الشعبي، شيعية المذهب، إيرانية الولاء والتدريب والإمداد.


النهاية؟

سوف يتسلَّم الجيش مركز القيادة والسيطرة، وسوف يأخذ على عاتقه إدارة المدينة بكاملها وضبطها عن طريق المركز.

في ألعاب الجوع سقطت العاصمة المسلحة في أيدي الشعب العاري، وفي بغداد لم تقوَ التحصينات على صد قصف المدافع والصواريخ التي أطلقها المسلحون. فما المختلف في العاصمة الإدارية الجديدة لتصمد؟ في جميع الحالات وضعت السلطة نفسها في مكان منعزل عن الشعب طلبًا للحماية منه، وبحثًا عن راحتها بعيدًا عنه. لم تدرك بذلك أنها تُسهل الأمور على أعدائها، إذ تضع لهم معلمًا جغرافيًّا واضحًا على مكان وجودها. فلا شيء هنا يضمن أن يكون حظ المدينة المصرية «أحسن من العراق».