– إزيك يا عم جمال عامل إيه؟
** من بعيد يا ابني مبسلمش علشان «الفايرس» ربنا يستر علينا.

كان هذا حوارًا بسيطًا في أحد صباحات الكورونا في مصر، دار بيني وبين عم جمال بائع المناديل بموقف «السرفيس» الذي أمرُّ عليه يوميًا في طريق عملي.

كان يبدو مختلفًا هذا اليوم، يرتدى كِمامة، ويبيع «وايبس» للمرة الأولى، وبجواره على «الفرشة» معقم لليدين، وزجاجات كلور، وبخاخات كحول ينصح السائقين بشرائها؛ لتطهير سياراتهم.

ربما ما فعله عم جمال كان دليلًا على تغير استراتيجيات المصريين واتباعهم إجراءات وقائية؛ لمواجهة فيروس كورونا، وهو أمر محمود بالطبع، لكن رداءة الكحول المخفف، وبخاخات الكلور المصنوعة في «مصانع بير السلم» -وفقًا للتعبير الصحفي الشائع- يجعلان الأمر يبدو كإجراءات احترازية اجتماعية بـ «نكهة مصرية»، مبنية على معتقدات تُبرز «التاتش المصري»، أكثر من كونها إجراءات صحية أو علمية.

«كلنا إيد واحدة يا بهجت… كلنا بنكمل بعض»

هذا الشعار الذي أطلقته «شلة المشاغبين» بقيادة بهجت الأباصيري لتطفيش الأستاذة عفت، ربما صار شعار المصريين لتطفيش فيروس كورونا؛ إذ للمرة الأولى نشهد حالة مجتمعية توافقية حول أمر صحي، وكم من فيروسات مرت بالعالم ونُشرت أخبار انتقالها إلى مصر، مثل «سارس» و«الجمرة الخبيثة»، وإنفلوانزا الخنازير والطيور وغيرهم، ولم يكن للحكومة والشعب أي إجراء سوى شعارات النفي والإنكار والتهوين، وعدم اتخاذ إجراءات وتدابير احترازية، إنما في «زمن الكورونا» الأمر مختلف؛ فقد أقرت الحكومة إجراءات وقائية لمنع التجمعات، منها تعليق الدراسة، ووقف الأنشطة ذات الكثافات، ووقف رحلات الطيران، وتقليل عدد الموظفين، وكلها إجراءات منطقية وضرورية؛ إذ تعد القرارات والإجراءات التي تتخذها المجتمعات عند إدارة المخاطر عاملًا رئيسًا في ضعف أو قوة المجتمع أثناء الكوارث.

ووفقًا لورقة بحثية، فإن مفتاح تمكين الأفراد من الاستعداد لحالة الطوارئ والتعافي من الكوارث يتوقف على المجتمع وانتشار التعليم والتعلم فيه؛ لأن «مرونة المجتمع» وقدرته على مواجهة الكوارث عنصران مهمان لتوفير ما أسمته الورقة «التعلم المجتمعي» الذي اعتبرته سلاحًا قويًا في مواجهة الكوارث.

تلك «المرونة المجتمعية» أشارت إليها ورقة بحثية أخرى كنهج ضروري لبناء قدرة المجتمع في مواجهة الكوارث، وتشمل الاستعداد الفردي، وإنشاء سياق اجتماعي لتحمل الكوارث والتعافي منها، وهو ما يجعل بناء مرونة المجتمع عنصرًا رئيسًا في السياسات الوطنية والتخطيط، وأكدت الورقة أن بناء هذه المرونة المجتمعية لا بد أن يعتمد على قاعدة بحثية قوية، واكتساب المعرفة ونقلها، ونشر إرشادات التأهب المجتمعي وإدارة الطوارئ.

هذه المرونة المجتمعية يمكن بناء نسختها المصرية اعتمادًا على ما بدأ المصريون يتخذونه من إجراءات وقائية جعلت «كورونا واحد مننا»؛ حيث انشغل المصريون بكورونا إلى حد فاق اهتماماتهم الأخرى، فبدأت أخبار الفيروس والعزل وتعليق الدراسة تزحف وتتوغل وتنتشر في «جروبات الواتس» الخاصة بالمدارس و«الماميز» وسكان العقارات، وحتى صفحات «الخيّاطة والخضري والبقال»، وصارت أخبار كورونا تُثار في المحلات وعلى المحطات وفي «الميكروباصات»، يتداول الناس إجراءات الوقاية، وأخبار الحجر الصحي، وطرق تطهير «رُخامة» المطبخ، وغسل اليدين لأكثر من عشرين ثانية، وبالطبع يعد هذا الاهتمام سلاحًا قويًا في مواجهة المرض، والعمل على بناء وحدة مجتمعية تساعد على انحساره.

وفي حين أننا نفتقد لثقافة مجتمعية في مواجهة الأزمات والأوبئة؛ إذ نواجه الأمر بقلة وعي تحت شعارات «عم قول يا رب» أو «قول يا باسط تلاقيها هاصت»، إلا أن الأمر مع الكورونا مختلف تمامًا وبشكل ملحوظ، وربما يكون بداية لنهج صحي توعوي شامل، وربما يكون الأمر مجرد فترة مصاحبة للفيروس «وأهو بكرة نقول كانت ذكرى وعشنالنا يومين».

«الفقر بيجيب مناعة»

في الصباح رأيت طوابير من العمال ينتظرون أمام بوابة أحد «الكومباوندات»، يحملون أمتعتهم في انتظار «أتوبيس» يُعيدهم إلى قريتهم بعد أن أعطاهم المقاول إجازة؛ بسبب توقف العمل تأثرًا بمنع التجمعات؛ للوقاية من انتشار فيروس كورونا، بعدها شاهدت على فيسبوك صورًا لملايين المصريين في مترو الانفاق و«أتوبيسات الهيئة» دون كمامات أو مسافات فاصلة بينهم، في ظل أجواء خصبة لنشر الفيروس بسرعة وسلاسة، لكنهم لا يملكون حلًا سوى الخروج للعمل.

غالبية هؤلاء من «الأرزقية» وعمال اليومية، والباعة الجائلين، والمتسولين، وموظفي وعمال القطاعين العام والخاص الذين لا يملكون رفاهية الإجازة، أو أن رب العمل لن يعطيهم مرتبات دون حضور، أو المضطرين إلى الوقوف في طوابير المصالح الحكومية لاستخلاص أوراق رسمية، غالبية هؤلاء وغيرهم يعتنقون مبدأ مصريًا أصيلًا يرى أن «الفقر بيجيب مناعة»، وهو اعتقاد لا يمكن الجزم بصحته علميًا، ولا يساعد على «تقييم الآثار المجتمعية للكوارث»، وهو أمر أكدت دراسة أكاديمية على أهميته لثلاثة أسباب؛ أولًا: أنها تساعد على تحديد الوضع بدقة، وما إذا كان الأمر يتطلب مساعدة خارجية، ثانيًا: أنه يمكن استخدام المعلومات المتعلقة بتأثيرات الكوارث لتحديد قطاعات المجتمع التي تأثرت بشكل كبير أو قد تتأثر في المستقبل، مثل الأسر الفقيرة أو أنواع محددة من الأعمال، ثالثًا: أنه يمكن للمخططين تطوير مشاريع لمواجهة الكوارث قبل وقوعها، وتقييم النتائج المحتملة لإجراءات مواجهة المخاطر.

«في حد في الدنيا بنى هرم… إحنا بنينا تلاتة»

– إحنا فراعنة… ربنا إدانا قوة وصحة ما أداهاش لأي ناس في العالم كله…
– في حد في الدنيا بنى هرم… إحنا بنينا تلاتة! بقوة صحتنا…
– مش مصدق… طب خلي واحد من بلاد بره يشرب له بوء مية من اللي احنا بنأربعها دي… أو ياكل له فرخة فات تاريخ تحنيطها وشوف يحصل له إيه… ها ها… يروح فيها.
جميل راتب (البهظ بيه) من فيلم الكيف.

الحوار السابق من فيلم الكيف يقدم أساسًا من أساسات «التاتش المصري» في مواجهة الأزمات أيًا كان نوعها وحجمها؛ إذ يعتقد المصريون في توارثهم قوى خارقة؛ لأنهم «فراعنة»، وهذا الاعتقاد في حد ذاته قد يكون دافعًا للمرور من أزمة كورونا، فمنذ بداية الأمر والمصريون -كعادتهم- يواجهونه بالكوميكس والسخرية، وصارت أي «عطسة» أو «كحة» تُقابل بسؤال: «عادي ولا كورونا؟»، وكان من ضمن السخرية أن تسلح المصريون بسلاح القوة الفرعونية.

وبالرغم من أن ذلك ليس علميًا بالطبع، ولا يصح أن يكون إجراءً وقائيًا إلا أن العامل النفسي في مواجهة الأخطار والأوبئة يُعوّل عليه كثيرًا، وهو ما ذهبت إليه ورقة بحثية أكدت أن صمود الأشخاص في مواجهة الكوارث ينبع من امتلاك البشر القدرة على المقاومة كخاصية فريدة تنتجها غريزة البقاء، وتمنح قدرة مدهشة على التعامل مع الشدائد، وذهبت الورقة إلى أن البعض يشير إلى ذلك على أنها قدرة داخلية على القتال، والبعض الآخر يراها مرونة وقدرة على التعافي، لكن الأمر في النهاية هو بنية نفسية تقوم على التكيف والتفاؤل والرضا، ولا يقتصر الأمر على القدرة على التعامل مع المواقف الصعبة بأسلوب مرن والارتداد إلى الوضع الطبيعي فحسب، بل إنها تسمح للشخص بالاحتفاظ بالقدرة على التفكير والتخطيط.

«مصر مذكورة في القرآن»

لا يزال سلاح الإيمان هو أقوى أسلحة المصريين في مواجهة الأخطار، ربما تحول الأمر عند البعض إلى خرافات أو تأويلات خاطئة وتواكل، لكن يبقى الإيمان سلاحًا قويًا؛ الإيمان بالله وبرحمته، والإيمان بقدسية بلادهم والتي يرونها منحة ربانية تحفظ البلاد دائمًا، فضلًا عن ثقة الغالبية من المصريين البسطاء بقدر الله، وبأنه سيحفظ «الغلابة» من الوباء والبلاء، وأن «محدش بيموت ناقص عمر»، وهو ما يعطيهم قوة إيمانية تساهم في مواجهة الكوارث والأخطار.

وفقًا لدراسة عن دور المعتقدات والممارسات الدينية في مواجهة الكوارث، فإن الدور الإيجابي للمعتقدات الدينية أثناء وبعد الكوارث يفرض علينا دمجها -إلى جانب الآليات الأخرى- في إدارة مخاطر الكوارث؛ لأن ذلك يساعد على بناء مجتمعات أكثر مرونة. ورصدت الدراسة نتائج دراسات سابقة أكدت على دور الدين في مواجهة الكوارث؛ إذ يُعزّز عمليات إعادة تقييم إيجابية للكارثة، ويحمي الأفراد من النزعة الانتحارية، ويمنح شعورًا بالأمان والتسليم بالقدر، في ظل أن المعتقدات والممارسات الدينية جزء لا يتجزأ من القيم الثقافية المحلية التي تستخدم الدين لتفسير الأحداث التي لا يمكن السيطرة عليها، كما أنها تمنح قدرات للأفراد والمجتمعات في مواجهة المخاطر، وتزيد من الوعي بأن الكارثة يمكن أن تحدث في أي وقت، وتجعل إدارة الكوارث أكثر توافقية اجتماعيًا وثقافيًا مع المجتمعات المحلية، خاصة التي يمثل الدين ركنا ركينًا في حياتها العامة.

كما تلعب القيادات الدينية دورًا رئيسًا في مواجهة الكوارث، من خلال تقديم المعلومات والخدمات، والمساعدة في التعافي النفسي بتقديم الدعم الروحي والعاطفي، من خلال المواساة والترحم والصلاة والعزاء للمتضررين من الكوارث، وهي أمور حاسمة خلال الكوارث وبعدها.

وفيما يخص دور الإيمان في مواجهة الكوارث، أكدت ورقة بحثية أنه على الرغم من فهمنا للطبيعة العلمية للكوارث إلا أننا نؤمن بأنها أمر إلهي، وقدمت الورقة وجهتي نظر إيمانيتين في الكارثة؛ الأولى ترى أن الكارثة «فعل الله»، وبالتالي لا يوجد ما يمكن القيام به للتحضير لاحتمال وقوع الكارثة، وتفترض أن الضحايا تواجدوا في المكان الخطأ في الوقت الخطأ، والأخرى ترى الكارثة «غضب الله»، وهنا يُنظر إلى الضحايا على أنهم بطريقة ما حصلوا على عقابهم بسبب أنماط حياتهم المخالفة لتعاليم الدين، وفي الحالين فإن المعتقدات الدينية تعد إحدى الاستراتيجيات القوية في مواجهة الأزمات.

كل ما سبق ليس استراتيجيات وقائية أو طبية أو علاجية، لكنها تظل استراتيجيات اجتماعية تصنع فارقًا في مواجهة المصريين لفيروس كورونا، وربما تجعل من التجربة المصرية تجربة متميزة تلفت النظر إلى أن الاجراءات الطبية والوقائية والعلاجية لا بد أن تسير جنبًا إلى جنب مع عدة إجراءات أخرى ابتدعتها معتقدات المصريين؛ ليواجهوا كورونا بقوة بصوت محمد هنيدي في فيلم فول الصين العظيم:

المصري طول عمره معروف بجبروته وبقوته… وأنا واثيق من الفوز.