يسأل سائل: ألا ترون الفرق بين نظرتين للكون: نظرة الباحث المتأمل العالم، ونظرة المؤمن؟الأول: يعتقد أن لكل شيء سببًا، ويبحث عن سبب كل شيء، ولا يقنع بالأجوبة المعلّبة الجاهزة، ويقتنع بأنه لن يحصل على أي خير إلا باتخاذ الأسباب إليه والعمل على تحقيقه بطريقة منهجية علمية. أما الثاني: فإنه يفوض كل شيء إلى الإله، فلا يبحث عن أجوبة لأن عنده جوابًا على كل سؤال وهو: (هذه إرادة الله)، وطالما اقتنع أن هناك إلهًا قادرًا على كل شيء فإنه يتوجه إليه بأمور مثل الدعاء وانتظار النصر والتأييد الإلهي بدلًا من العلم والعمل. أليس الإيمان حينئذ مفضيًا إلى الجهل وإعاقة العلم والتعلق بالأوهام وترك العمل؟ ألأجل ذلك حقق الإنسان هذا التقدم الهائل حينما جعل الدين من ورائه؟

نقول:

تخيل إنسانًا لبس نظارة صفراء تصبغ كل مشاهداته باللون الأصفر، ومضى يمشي بين الناس. إنه سيرى كل شيء، لكنه سيراه على غير حقيقته الكاملة. لن يرى حمرة الشفق، ولا زرقة السماء، ولا ألوان الطيور، بل حتى ما كان في الحقيقة أصفر اللون فإنه لن يراه على حقيقته، لأنه سيراه مصبوغًا باللون الأصفر الذي على عدسات نظارته. تخيل أننا نزعنا عنه هذه النظارة، فإنه في لحظة واحدة سيرى كل شيء بعيون جديدة، وستتغير نظرته للأشياء جميعًا. رغم أن الأشياء هي هي لم تتغير، وإنما زال من فوق نظره ما كان يصبغ هذه الأشياء في عينيه بلون معيّن.

إن هذا المثال يشبه القضايا المعرفية الكبرى. إن بعض الأفكار إذا تلبّس الإنسان بها فإنها تؤثر في رؤيته لكل شيء حوله، سيرى كل شيء من زاوية مختلفة. وهذا سلاح ذو حدّين. فإن بعض الأفكار الكليّة تجلب نورًا وضياءً للإنسان، فيرى الحقائق في ضوئها أجلى وأبهى (كنظارة تقوي النظر لمن في عينيه ضعف)، وبعضها يجلب عتمة وحجابًا للإنسان (كعدسات سوداء تحجب الرؤية عن العين).

إننا الآن، وفي عدة مقالات، بصدد أن نزيل غشاوتين من تلكم الغشاوات التي تحجب رؤية الإنسان وتصرفه عن الحقائق الدنيوية والدينية.

أما الغشاوة الأولى فهي اعتقاد بعض المؤمنين أن الله يخرق لهم الأسباب لمجرد كونهم مؤمنين، وأنه لا يلزمهم الاعتماد على ما في الكون من قوانين، ويكفيهم التمسك بدينهم واللجوء إلى ربهم ليجبر الله ما هم فيه من قصور في حيازة أسباب القوة والنجاح. وتتشوش بذلك مفاهيمهم عن قيمة الدعاء، وعن النصر الإلهي للمؤمنين، وعن العلم التجريبي والقوانين الكونية، فيختلط عندهم أمر الدين بأمر الدنيا، في سوء فهم للدين والدنيا.

وأما الغشاوة الثانية فهي اعتقاد بعض الملاحدة أن التمسك بالأسباب والقوانين الكونية يستلزم نفي كل معنى غيبي، وإبطال حقيقة الألوهية، فيؤدي ذلك بهم إلى خسران الدنيا والآخرة.

وفي مناقشة هذا الكلام نسأل سؤالًا يصيب لب النزاع، وهو: كيف نوفّق بين ما نراه بأعيننا من ارتباط النتائج بالأسباب، وما يعتقده المؤمنون حينما يتلون القرآن في قوله تعالى: «قل كلٌ من عند الله».


مفهوم السببية هو مفهوم انتزاعي

إننا نرى بأعيننا النار، فإذا مسّها قُطنٌ مثلًا فإنه يحترق، فنقول النار سبب في إحراق القطن. ولو تأملنا لرأينا أنه ليس في الوجود سوى النار، والقطن المحترق[1]،ِ أما العلاقة بينهما، وأن أحدهما أثّر في وجود الآخر، فإنه أمر انتزعه الذهن الإنساني من هذه الموجودات، لما رأى من تكرر الأثر عند حصول المؤثر، وعدم تخلفه أبدًا، مع تواتر ذلك بين الأمم كلها.

كلما نظرنا في الكون، وجدنا أمورًا تحصل، وتعقبها أمور أخرى، من غير أن يكون العقل قاضيًا باستحالة أن تحصل النتيجة عقب السبب في أول الأمر، فإن رأى تعاقب الشيء مرة بعد أخرى، ومع ما يتواتر من ذلك الأمر، وصل إلى هذا اليقين.

فلو أمسكنا تفاحة مثلًا، وتركناها، فإنها تسقط على الأرض. وقد كان ممكنًا في العقل قبل التجريب ألا تسقط، ولكننا كلما جربنا وجدنا الأمر هكذا. فإنه بمجرد التفكير العقلي المحض قبل التجربة: كان من الممكن أن تسقط التفاحة، وكان من الممكن ألا تسقط، كلاهما ممكن في نظر العقل، ولا يلزم على سقوط التفاحة استحالة عقلية، ولا يلزم على عدم سقوطها استحالة عقلية.

ثم رأينا الماء يعقبه الارتواء، وقطع الرقبة يعقبه الموت، وقطع الإصبع لا يعقبه الموت، والسكين الحاد يقطع اللحم، رأينا هذا كله، وعلمناه بالضرورة، وتواتر إلينا، متواترًا عمن قبلنا، في كل الأماكن وكل الأزمان، أن هكذا تحصل هذه الأمور ونحوها، وأنها لا تتخلف ولم تتخلف أبدًا، فعلمنا ضرورة وقطعنا بنتائج هذه الأمور التي بالنظر العقلي المحض جائز ألا تكون كذلك، وجائز أن تكون على صورة مختلفة وهيئات مختلفة، ويحدث بينها وبين غيرها علاقات مختلفة وتفاعلات مختلفة، ينتج عقبها نتائج مختلفة عن كل ما نراه ونجزم به وما هو متواتر قطعًا.

ففي هذا الكون، العلاقة بين الكتلة والطاقة تنتظم في هذا القانون E=mc2 مع أنه يجوز في العقل المحض، لا في الواقع، أن تكون العلاقة بينهما E=mc3. ولولا حكم العقل بإمكان هذا وإمكان ذاك لما كان للتجربة معنى، لأن التجربة يقصد بها تعيين أحد الممكنات المحتملة.

وأحيانًا نصاب بسبب التكرار بداء الاعتياد وترك الاندهاش مما يحصل في الكون من أمور عجيبة وارتباطات بين الأشياء وبعضها البعض. ولذلك قال سقراط عن الفلسفة: (الفلسفة هي الدهشة). أي إن العالم الفيلسوف بحق هو الذي يستصحب الاندهاش، والتعجب، والتأمل العميق لما يحصل في الكون، ولا يؤثر فيه تكرارها واعتيادها عن أن يسأل نفسه عن سببها وعن حقيقتها.

فتحصّل مما قلناه أن النظر في هذا الأمر كما هو النظر في سائر الأشياء والمعارف يختلف باختلاف جهة النظر، ومستوى النظر، وذلك ظاهر في البحث عن الأسباب والعلل.

فهناك مستوى يبحث في الكيفية المادية لعملية الاحتراق، وذلك بالسؤال عن كل سبب ظاهري، نرى أنه قد حصل موجود ما مباشرة عقب موجود آخر، فاستنبطنا أن حصول الثاني بعد الأول إنما هو لارتباط ما بينهما، ثم جربنا هذا مرات، حتى علمنا أن ذلك لا يتخلف، فهو (سبب في حصول ذلك الشيء).

ثم هناك مستوى آخر ينظر إلى الأمر من حيث كونه (موجودًا ممكنًا) (اقترن) (بأمر ممكن آخر): ثم (حصل موجود ممكن آخر ) (عقب ذلك الاقتران).

فنحن ننظر في ذلك الأمر، ونسأل: هل الموجود الممكن الوجود – الذي وجوده ليس ذاتيًّا له – له تأثير في غيره؟ وقد سبق أن قررنا أن الكون بما فيه من الموجودات كلها ممكنة الوجود مفتقرة في وجودها وفي بقائها لئلا تفنى، إلى مبقٍ[2].

ثم إن الاقتران بين ما يعتقد في العادة سببًا، وما يعتقد مسببًا، ليس أمرًا تقتضيه ضرورة العقلي المحض من حيث كون هذه الأمور موجودة، فليس من ضرورة وجود أحدهما وجود الآخر ولا من ضرورة عدم أحدهما عدم الآخر بالنظر العقلي المحض، فإنه لا يلزم محال عقلي على وجود الأول دون الثاني، أو العكس[3].

هذه كلها جهات بحث كذلك. فهناك نظرتان في هذا الأمر:

نظرة علمية تجريبية تتعلق بالأمور المقترنة والعلاقات بين الأشياء وكيف يحصل هذا عقب هذا، ولماذا يحصل، فهل النار هي سبب احتراق القطن أم العكس، وهكذا، كما هي نظرة علماء الفيزياء والكيمياء وغيرهما.

وهناك نظرة تبحث في الأصول العقلية لهذه الأمور، وهل هي ممكنة أو واجبة أو مستحيلة، يمكن أن تتخلف عقلًا أو لا يمكن أن تتخلف، ما الذي اقتضى في العقل حصولها… إلخ، وهذه نظرة علمية فلسفية، وقد يتعرض لها علماء الفيزياء كذلك، لا بوصفهم علماء للفيزياء ولكن بوصفهم متفلسفين[4].

وإن علماء المسلمين حينما بحثوا في قضية السببية -كما سنعرض تفصيلًا بعد قليل- جزموا بالعلاقات التي يراها كل عاقل بعينيه، وأنه لا بد من حصول الأثر عقب السبب، فمن قفز من أعلى الجبل يقع ويهلك، ومن تُقطع رقبته يموت، يجري ذلك على المؤمن والكافر.

ثم توجه نظرهم للمسألة من الناحية الميتافيزيقية، في علاقة الأسباب بالمسببات من جهة العقل، وهل هي أمر ضروري يستحيل تغييره في العقل (قبل أن نعلمه بالتجربة) أم لا، وهل هذه القوانين الكونية يصح أن تتغير في كونٍ آخر in another universe أم لا، وهكذا. وهذا البحث مهم ومفيد جدًّا في فهم حقائق عن الكون وعن الوجود، وسنتعرض لبعض هذه الفوائد في مقالات لاحقة.

المهم هنا هو التفريق بين الجزم بالارتباط بين الأسباب والنتائج من ناحية وهو الذي يقول به كل عاقل، وعليه انعقد فهم المسلمين –عوامهم وعلمائهم- للدنيا، وبين البحث في مستوى آخر وهو جواز أو وجوب أو استحالة هذه العلاقات في النظر العقلي المجرّد عن التجربة، وغير المتقيّد بخصوص ما في هذا الكون الذي نحن فيه من أوضاع ونِسب وارتباطات.


الشك في الأسباب واضطراب نظام الكون

وهنا نسأل أنفسنا فنقول: ألا يلزم من البحث في أن الارتباط بين الأسباب ونتائجها جائز من جهة العقل اضطراب نظام الكون، وأن يشك هذا الباحث في العلاقات السببية بين الأشياء، وما إلى ذلك؟

نقول: بل إن الكون يجري على وفق هذه القوانين المطّردة المستمرة التي تحكم الكون، ومجرد تجويزنا لعدم استحالة أمر مخالف لما يجري عقلًا ليس يعني أن هذا الأمر المخالف سيحصل بالفعل في الواقع. فليس يعني قولنا (أنه كان من الممكن في العقل ألا تقع التفاحة إذا تركناها) أنه (سيحصل في الواقع أن نترك التفاحة فلا تقع). فهاتان قضيتان مختلفتان تمامًا.

وقد علّق العلماء الذين بحثوا هذه القضية على هذا الكلام قديمًا، فقال الإمام أبو حامد الغزالي رحمه الله مثلًا:

فإن قيل: هذا يجر إلى ارتكاب محالات شنيعة، فإنه إذا أنكرت لزوم المسببات عن أسبابها[5]، وأضيفت إلى إرادة مخترعها، ولو لم يكن للإرادة أيضًا منهج مخصوص متعين، بل أمكن تفننه وتنوعه، فليجوِّز كل واحد منا أن يكون بين يديه سباع ضارية، ونيران مشتعلة، وجبال راسية، وأعداء مستعدة بالأسلحة، وهو لا يراها لأن الله تعالى ليس يخلق الرؤية له. ومن وضع كتابًا في بيته فليجوِّز أن يكون قد انقلب عند رجوعه إلى بيته غلامًا أمرد عاقلًا متصرفًا أو انقلب حيوانًا، أو ترك غلامًا في بيته فليجوز انقلابه كلبًا، أو ترك الرماد فليجوز انقلابه مِسكًا، وانقلاب الحجر ذهبًا، والذهب حجرًا، وإذا سئل عن شيء من هذا فينبغي أن يقول: لا أدري ما في البيت الآن وإنما القدر الذي أعلمه أني تركت في البيت كتابًا ولعله الآن فرس وقد لطخ بيتَ الكتب ببوله وروثه، وإني تركت في البيت جرة من الماء ولعلها انقلبت شجرة تفاح، فإن الله قادر على كل شيء وليس من ضرورة الفرس أن يخلق من النُطفة، ولا من ضرورة الشجرة أن تخلق من البذر، بل ليس من ضرورته أن يخلق شيء فلعله خلق أشياء لم يكن لها وجود من قبل، بل إذا نظر إلى إنسان لم يره إلا الآن، وقيل له: هل هذا مولود؟ فليتردد وليقل يحتمل أن يكون بعض الفواكه في السوق قد انقلب إنسانًا وهو ذلك الإنسان، فإن الله قادر على كل شيء ممكن، وهذا ممكن فلا بد من التردد فيه.[6]

وقد نقلنا هذا النقل عن الغزالي خصوصًا، لأنه مشهور جدًّا بأنه نصر القول بأنه لا علاقة عقلية بين الأسباب والمسببات، وأن أفكاره هذه كانت سببًا في تخلف العلوم، وفي اعتقاد الناس أنه دائمًا يمكن لقوانين الكون التي يطلق عليها الغزالي «العادة» أن تتخلف، وأن لا منهج ونظامًا متبعًا تتبعه الأشياء، فلا نحاول الكشف عنه، وهو ما أدى لضعف العلوم وضعّف اقتناع الناس بالأسباب المادية والعلاقات بين الأثر الفيزيائي والمؤثّر الفيزيائي، وردّهم إلى التعلق بالغيبيات والخرافات، فالآن نقرأ جواب الغزالي، يقول:

واستمرار العادة بها مرة بعد أخرى يرسخ في أذهاننا جريانها على وفق العادة الماضية ترسخًا لا تنفك عنه[7] (…) فلا مانع إذن من أن يكون الشيء ممكنًا في مقدورات الله، ويكون قد جرى في سابق علمه أنه لا يفعله مع إمكانه في بعض الأوقات، ويخلق لنا العلم بأنه ليس يفعله في ذلك الوقت، فليس في هذا الكلام إلا تشنيع محض.[8]

أي أننا نعلم قطعًا أن العلاقات السببية هذه، وإن كانت من الأمور التي يجوز النظر العقلي المحض خلافَها، إلا أنها لا تتخلّف في الواقع أبدًا.

ويقول كذلك الغزالي في «معيار العلم»:

كيف تعتقدون هذا[9] يقينًا، والمتكلمون شكوا فيه وقالوا: ليس الجز سببًا للموت، ولا الأكل سببًا للشبع، ولا النار علة للإحراق، ولكن الله تعالى يخلق الاحتراق والموت والشبع عند جريان هذه الأمور لا بها؟ قلنا: قد نبهنا على غور هذا الفصل وحقيقته في كتاب تهافت الفلاسفة. والقدر المحتاج إليه الآن: أن المتكلِّمَ إذا أخبر بأن ولده جزت رقبته لم يشك في موته، وليس في العقلاء من يشك فيه، وهو معترف بحصول الموت وباحث عن وجه الاقتران. وأما النظر في أنه هل هو لزوم ضروري ليس في الإمكان تغييره أو هو بحكم جريان سنة الله تعالى لنفوذ مشيئته الأزلية، التي لا تحتمل التبديل والتغيير، فهو نظر في وجه الاقتران، لا في نفس الاقتران. فليفهم هذا وليعلم أن التشكك في موت من جزت رقبته وسواس مجرد، وأن اعتقاد موته يقين لا يستراب فيه.[10]

فنراه يؤكد هذا تمامًا، ولا يجعل من يشك في حصول الآثار عن المؤثر (العادي) من العقلاء!

ويرشدنا إلى طريقة معرفة كون الشيء مؤثرًا في غيره، عن طريق التجريب والتكرار والمشاهدة!

وقد أطلق علماء المسلمين على ذلك النظام الكوني «العادة»، أي عادة الله في خلق الكون.

وليس المراد بالعادة: أي التي تحصل عادة أو كثيرًا أو غالبًا كما تعارف الناس عليه من معاني كلمة عادة، بمعني: usually أو generally.

فالعادة هنا: لا تتخلف أبدًا ولا تنفك، أي حتى وإن كانت العلاقة علاقة عادية، بمعنى أنه يجوز عقلًا تخلفها، إلا أنها لا تتخلف أبدًا. فقد اطردت العادة، والتي نعبر عنها أيضًا بقوانين الطبيعة laws of nature، وهي تلك العلاقة السببية العادية بين الموجودات.

وكذلك يقول الغزالي في معيار العلم في إفادة الـمجرَّبَـات العلم اليقيني الجازم:

(…) المجربات وهي أمور وقع التصديق بها من الحس بمعاونة قياس خفي، كحكمنا بأن الضرب مؤلم للحيوان، والقطع مؤلم، وجز الرقبة مهلك، والسقمونيا مسهِّل، والخبز مشبع، والماء مرو، والنار محرقة. فإن الحس أدرك الموت مع جز الرقبة، وعرف التألم عند القطع بهيئات في المضروب، وتكرر ذلك على الذكر، فتأكد منه عقد قوي لا يشك فيه، وليس علينا ذكر السبب في حصول اليقين بعد أن عرفنا أنه يقيني. وربما أوجبت التجربة قضاءً جزميًّا، وربما أوجبت قضاء أكثريًّا. ولا تخلو عن قوة قياسية خفية تخالط المشاهدات، وهي أنه: لو كان هذا الأمر اتفاقيًّا أو عرضيًّا غير لازم لما استمر في الأكثر من غير اختلاف، حتى إذا لم يوجد ذلك اللازم استبعدت النفس تأخره عنه وعدته نادرًا، وطلبت له سببًا عارضًا مانعًا. وإذا اجتمع هذا الإحساس متكررًا مرة بعد أخرى ولا ينضبط عدد المرات، كما لا ينضبط عدد المخبرين في التواتر، فإن كل واقعة ههنا مثل شاهد مخبر
وانضم إليه القياس الذي ذكرناه، أذعنت النفس للتصديق[11].

فنراه هنا يشير إلى طريقة من طرق معرفة «العادة» أو «السببية العادية» وهو أن نلاحظ بالمشاهدة حصول الشيء بعد حصول آخر، ونراقب ونتابع هذا، ونتابع تكرره إلى غير ذلك، حتى إذا تكرر مرات كثيرة، جزمنا بذلك.


الخضوع للأسباب الكونية وقوانين الطبيعة من الخضوع لنظام الله تعالى في خلقه

إننا نعتقد كمسلمين أن ارتباط الأسباب بالمسببات، ومعرفة قوة واطراد هذه القوانين الكونية الطبيعية، هو النظام الذي أقام الله عليه الكون، وفيه ظهور قدر الله تعالى الذي قَدَّر عليه الكون.

وإن الإيمان بالقضاء والقدر هو ركن أساس من أركان الإيمان في الاعتقاد الإسلامي، وذلك بأن يؤمن المسلم بإرادة الله وما خصصه في كونه من الأسباب والعلاقات الكونية التي حكم بها هذا الكون وجعلها قانونًا لحركته وأن يرضى بها ولا يتمرد عليها.

انظروا إلى قول الإمام الغزالي –وهو المتهم زورًا بإنكار الأسباب كما سبق أن بينّا- حيث يقول في كتابه «الأربعين في أصول الدين» إن القدر هو توجيه الأسباب إلى مسبباتها الحادثة منها لحظة بعد لحظة[12].

وقال في كتابه «إحياء علوم الدين»[13]:

وليس من شرط الاعتراف بقضاء الله تعالى أن لا يحمل السلاح وقد قال تعالى {خذوا حذركم}، وأن لا يسقي الأرض بعد بث البذر فيقال: إن سبق القضاء بالنبات نبت البذر، وإن لم يسبق لم ينبت. بل ربط الأسباب بالمسببات هو القضاء الأول الذي هو كلمح البصر أو هو أقرب، وترتيب تفصيل المسببات على تفاصيل الأسباب على التدريج والتقدير هو القدر. والذي قدر الخير قدره بسبب والذي قدر الشر قدر لدفعه سببًا فلا تناقض بين هذه الأمور عند من انفتحت بصيرته.[14]

وهذا أوضح من أين يحتاج إلى توضيح، يراه من ليس على بصره غشاوة.

ونحو هذه المعاني ذكره جمع من أئمة الإسلام، وكلهم يتبنى هذا الذي شرحناه من أن العلاقات عادية، ومع ذلك يجزمون بـ «العادة» وقوانين الكون، وأنها مطردة لا تتخلف!

هذا، وقبل كلام العلماء، فأين نحن من قول الله تعالى الواضح الصريح: {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم} في دلالته على أن أفعال الله في الكون جارية على قانون الأسباب والمسببات؟

أين نذهب من قوله تعالى: {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم}، من الأمر باتخاذ الأسباب وأنه «به» إنما تحصل النتائج؟ ومثل هذا كثير في كتاب الله، وفي كلام سيدنا رسول الله، وفي فهم أصحابه.


معنى التدخل الإلهي في الكون

فيظهر مما سبق أن مفهوم «التدخل الإلهي» (divine intervention) في الكون عندنا كمسلمين لا يعني أن الإله يتدخل أحيانًا في النظام على طريق «الاعتراض» (Interruption)، أو أن الكون يعمل بنفسه، ثم يحتاج أحيانًا إلى تدخل إلهي ليصلح الخلل الذي يحصل!

وإنما التدخل الإلهي هو نفس إقامة قانون الأسباب، وخلق الأشياء على وفق أسبابها، فالله هو القيّوم، وهو سبحانه لم يترك الكون حتى يتدخل فيه، وليست القوانين الطبيعية أو الــlaws of nature إلا الطريقة التي أقام عليها كونه، ورتّب عليها خلقه، وإن محاولة معرفتها على قدر الطاقة البشرية، والعمل بمقتضاها إنما هو خضوع لإرادة الله.

وإن كان أمرٌ عجيب أو غريب، فهو جار على نظام الله تعالى، وليس بخارق له، ولا نلجأ للتفسير الديني الغيبي، في الجواب على شيء في النظام الدنيوي الكوني الذي أقامه الله، فإنا كلما بحثنا اكتشفنا تفاصيل لم تكن معلومة لنا، لا تنتهي أبدًا، وإن خرق نظام الكون بنحو معجزة لهو نادر جدًّا، وخلاف الأصل، لا يُلجأ إليه كلما جُهل السبب، وعلى هذا الوجه نفهم الدين ونفهم الدنيا من غير أن يكون فهم أحدهما معطلًا للآخر من هذا الوجه.

فالإيمان بالله تعالى لا يناقض معرفة حقيقة قوانين الكون ونظامه، وإنا حال نظرنا إلى هذا الكون المقام على قانون الأسباب، نجد أن كل شيء حاصل وحادث في الكون المشاهد لا بد له من سبب متقدم عليه به يقع، علمنا ذلك من مستقر العادات على ما جرى واطرد، فحكمنا به قطعي، وكل سبب من هذه الأسباب حادث كذلك، فلا بد له من أسباب أخرى.

ولا تزال تلك الأسباب ترتقي حتى تنتهي ولابد إلى مسبب لها، فهو الله، مسبب الأسباب و موجدها وخالقها، لا إله إلا هو سبحانه.

فالإنسان العادي إذا نظر فوجد لكل حادث سببا،ثم نظر فهاله ما يجده من عظيم خلق الله تعالى، الذي أقام عليه الكون، فيجد أن الأسباب تتضاعف و تتضاعف، ويحار العقل في ادراكها والاحاطة بها، ثم نظر في الأسباب [15]، ثم منها إلى مسبب للأسباب،فهذه السلسلة من الأسباب الممكنة والتي يترتب بعضها على بعض لا بد أن تنتهي إلى موجود، ليس ممكنا، وجوده ذاتي واجب، لا يفتقر إلى غيره، قطعا للتسلسل.

فإذا آمنتُ بالأسباب والمسببات وقطعية علاقتهم في مستقر العادات، ثم آمنتُ بأني لا أحيط علما بالأسباب وأنه لا يتصور أن أحيط علما بالأسباب، ونظرت فآمنتُ بأن الله موجد الأسباب، لتحيرتُ من عظمة وبديع خلق الله وصنعه.

ثم وجدت الشرع نبهني أن أقطع النظر عن الأسباب وأتوجه لموجدها، وعلمت بعقلي وتجربتي وتأملي أن هذا هو ما ينبغي أن يكون، فقطعت التعلق القلبي بالأسباب وألغيت فعلها جملة، ولم أر فاعلا إلا الله، من حيث النظرة القلبة والعقلية إلى حقيقة الموجودات.[16]

وتوجهت الى الواحد الأحد مسبب الأسباب كلها وفاعلها وموجدها، فصبغت بصبغة التوحيد، وأصبحت لا أرى شيئا إلا من الله، لا يعني ذلك أني لا أعتقد أن الأسباب ترتبط بنتائجها، بل إنني أعتقد ذلك أشد الاعتقاد لأن هذا هو خلق الله، ولكني انتقلت من الأثر إلى المؤثر، ومن المخلوق إلى الخالق، وعلقت قلبي وفكري به سبحانه وتعالى.

فعودا للسؤال الذي هو عنوان المقال (هل الكون يسير بقوانين الطبيعة أم بالتدخل الإلهي) نقول:

الكون يسير على وفق قوانين الطبيعة، وليس فعل الله في الكون إلا إقامة الخلق على وفق هذا القانون، مع قدرته تعالى على كل شيء، إلا أنه اختار أن يجري خلقه على هذه القوانين.

فهناك مستويات متعددة multi layered explanation، في تفسير الظواهر التي نراها، مستوى بالنظر إلى السبب العادي الدنيوي، ومستوى بالنظر إلى أن الله خالق كل شيء، مقيم لكل شيء.

ويقول الغزالي في تقريب هذه المستويات المختلفة في التفسير:

فهل تظن مثلا – عزيزنا القارئ الكريم- أن نظرية نيوتن عن القوى forces ودورها في تجاذب الكواكب ودورانها واستمرارها على هذا النسق، أو أن ذلك بسبب انحنائات في الزمكان أو غير ذلك من النظريات العلمية.. يعارض انبهارك بكونه تعالى يمسك السماوات والأرض أن تزولا، لأنك اكتشفت الأسباب المؤدية إلى حصول هذه الظاهرة؟

نقول: لا والله، بل إن العجب يزداد مع الكشف العلمي ولا يقل، فمن المتصور عقلا أن يوجد الكون على غير هذه الأسباب، أو تؤدي هذه الأسباب إلى غير هذه النتائج، لكن الله خلق الأسباب، وخلق المسببات، وأوجد الارتباط بينهما والذي تكشفه لنا العلوم.

إن انبهارك يزداد حينما تعلم تعقّد هذا الكون، ودقته، وجريانه على قانون مخصوص، وأن هذه القوى لو تغيرت بأقل القليل لانهار هذا النظام الكوزمولوجي، ولحصل الاصطدام والاضطراب.

كل هذا بالنسبة للظاهر المشاهَد، أما الحقيقة فلا عمل لهذه القوى forces أصلا ولا للزمكان ولا لأي شيء، ولا تأثير لها استقلالا بنفسها، وإنما الخالق سبحانه وتعالى هو القيّوم، بخلقه للنتيجة عقب الأثر، وبترتيب خلقه على قانون الأسباب والنتائج يؤثر في هذه الأشياء الوجود، فلا فاعل ولا مؤثر إلا الله سبحانه وتعالى، لا إله إلا هو الحي القيوم.

وبهذا الفهم، تستطيع أن تعلم أن الكون له قوانين يمكننا اكتشافها واستثمارها في مسيرتنا الإنسانية، مستعينين في ذلك بالعلماء وأهل الاختصاص، وكلما ازددنا علما ومعرفة بقوانين الطبيعة.. كلما ازداد إيماننا بالله وشهودنا لجماله، وجلاله، وكماله.

وبهذا يسير العقل والقلب في درب واحد، فلا انفصام بينهما ولا خصام.

وهو مصداق قول ذي العزة والجلال سبحانه: «إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ».


أسئلة مشروعة

الضعيف يقصر نظره على الوسائط، والعالم الراسخ هو الذي يطلع على أن الشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره سبحانه وتعالى، ومثال نظر الضعيف إلى حصول ضوء الشمس عقيب طلوع الشمس مثال النملة لو خلق لها عقل وكانت على سطح قرطاس وهي تنظر إلى سواد الخط يتجدد، فتعتقد أنه فعل القلم، ولا تترقى في نظرها إلى مشاهدة الأصابع، ثم منها إلى اليد، ثم منها إلى الإرادة المحركة اليد، ثم منها إلى الكاتب القادر المريد، ثم منه إلى خالق اليد والقدرة والإرادة، فأكثر نظر الخلق مقصور على الأسباب القريبة السافلة مقطوع من الترقي إلى مسبب الأسباب.[17]

ولسائل أن يسألنا: كيف تقولون أن الكون يجري على وفق الأسباب والمسببات التي يتفق فيها المسلم والكافر، وأن لكل شيء سببا، وأن العادة الكونية لا تتخلف؟ أين تذهبون من الآيات التي تعد المؤمنين بالنصر والتمكين والرزق والبركة والتأييد لو اتقوا وآمنوا؟ إذا كان ما تقولونه صحيحا فما معنى الدعاء وما قيمته؟ وكيف يمكن للإنسان أن يتوكل على الله إن رأى أن لكل شيء سببا لو أخذ به لحصّل النتيجة حتما؟

هذه كلها أسئلة جميلة عميقة، وسنجيب عليها جوابا شافيا وافيا في المقالات القادمة بإذن الله، بحيث نبيّن كيف نفهم هذا الكلام على وجهه، وكيف أنه لا يخل البتة بلزوم صدور كل شيء عن سببه الموضوع له.

فتلخص مما سبق: أن الله أقام الكون على قانون الأسباب، وأن العلاقات هذه عادية، لا عقلية، ومع ذلك فهي مطردة لا تتخلف وتسري على كل الموجودات، ففي الواقع بسبب قانون الجاذبية ستسقط كل تفاحة إن تركناها قطعا، وفي العقل فقط قبل التجريب فإنه لا يستحيل أن لا تسقط التفاحة إن تُركت، وكذلك في القطع بموت من قطعت رقبته، وأن الخضوع للأسباب الكونية هو ركن الإيمان عندنا لأن القدر هو توجيه الأسباب إلى مسبباتها، وأن صلاح أمر الدين والدنيا إنما هو بالعلم والعلم على وفق قانون الأسباب.


[1] هذا بالنظر إلى الظاهر دون الخوض في تفصيل ذلك على المستوى الذري الذي سيقال فيه من حيث الكلام على مفهوم السببية نفس ما قيل هنا، أننا لا نرى إلا شيئا، ثم يعقبه شيء الخ..[2] وذلك في المقال عن احتياج الكون إلى الله.[3] ومن المحال العقلي: إثبات الشيء مع نفيه أو إثبات الأخص مع نفي الأعم أو إثبات الاثنين مع نفي الواحد، وما لا يرجع إلى نحو هذا فليس بمحال عقلا، وتكلمنا على نحو هذا في الحلقة الخامسة.[4] وقد تكون بعض المفاهيم مستبطنة في قلب بعض العلوم، فيتشربها الدارس دون أن يدري.[5] ويقصد باللزوم هنا: اللزوم الذاتي العقلي، الذي يستحيل تخلفه عقلا[6] تهافت الفلاسفة، أبو حامد الغزالي، ص241-244، نقلناه لنبين أن من قال بأن العلاقات عادية لا عقلية، لا يجِّوز تخلفها، وما يلزم على ذلك من خرافات، خلافا لما يظنه البعض.[7] تهافت الفلاسفة، 245.[8] تهافت الفلاسفة، 246.[9] كلامه هنا عن «المجربات» وإفادتها لليقين، مثل كحكمنا بأن الضرب مؤلم للحيوان، والقطع مؤلم، وجز الرقبة مهلك، والسقمونيا مسهل، والخبز مشبع، والماء مرو، والنار محرقةـ، وسيأتي الكلام على هذا.[10] معيار العلم، ص190-191.[11] معيار العلم، ص188-190.[12] ص11، طبعة التجارية الكبرى. وقال في «المقصد الأسنى شرح أسماءا لله الحسنى» عن اسم الله «الحَكَم» (ص92-93):
ومن «الحكم» ينشعب القضاء والقدر: فتدبيره أصل وضع الأسباب ليتوجه إلى المسببات حكمه، ونصبه الأسباب الكلية الأصلية الثابتة المستقرة التي لا تزول ولا تحول كالأرض والسموات السبع والكواكب والأفلاك وحركاتها المتناسبة الدائمة التي لا تتغير ولا تنعدم إلى أن يبلغ الكتاب أجله قضاؤه، كما قال تعالى: «فقضاهن سبع سموات في يومين وأوحى في كل سماء أمرها»، وتوجيه هذه الأسباب بحركاتها المتناسبة المحدودة المقدرة المحسوبة إلى المسببات الحادثة منها لحظة بعد لحظة قدره. فالحكم هو التدبير الأول الكلي والأمر الأزلي الذي هو كلمح البصر، والقضاء هو الوضع الكلي للأسباب الكلية الدائمة، والقدر هو توجيه الأسباب الكلية بحركتها المقدرة المحسوبة إلى مسبباتها المعدودة المحدودة بقدر معلوم لا يزيد ولا ينقص ولذلك لا يخرج عن قضائه وقدره شيء.

[13] إحياء علوم الدين (1/438)، (كتاب الأذكار والدعوات)، ط. دار القلم، بيروت، 1998.وسيأتي كلامه مفصلا في الكلام على الدعاء.[14] وإن الأسباب يتصور في العقل أن تكون على غير ما هي عليه، فهي جائزة، فلابد من أن تنتهي من حيث هي موجودة ممكنة مفتقرة إلى مخصص.[15] وغير خاف أن هذا لا يتعارض مع التأمل فيها بمعنى فهمها والعلم والعمل بمقتضاها.[16] إحياء علوم الدين، 1/46، (كتاب العلم)، ط. دار القلم، 1998.