في أوقات أزمات كبيرة مثل وباء الكورونا الذي أسهم في شلل العديد من أوجه الحياة الاقتصادية، سيقل إحساسنا بالقلق إذا كانت تشريعاتنا الاجتماعية تضمن لنا الحصول على إعانة بطالة. 

الخبر الجيد هو أن قوانينا تُؤمن علينا فعلًا ضد مخاطر البطالة، منذ السبعينيات، أما الخبر السيئ فهو أن الدولة لا تطبق عمليًّا هذا التأمين.

هذا مثال على واحد من أشكال العوار في شبكة الحماية الاجتماعية في بلادنا. تقوم الدولة في الوقت الراهن بالعديد من الجهود المحمودة لتخفيف الآثار الاقتصادية لوباء كورونا على حياة الطبقات المختلفة، لكن التآكل الذي تعرضت له منظومة الرفاه في بلادنا، خاصة خلال العقود الأخيرة يقوض من قدرة هذه الجهود على حماية الفئات الأكثر تعرضًا للأزمة. 

حان الوقت لتطبيق إصلاحات سريعة وعاجلة لإنقاذ كل من يمكن انتشاله من براثن الفقر.

هل هو وقت الاهتمام بالإنفاق الاجتماعي؟

تقول كرستين لاجارد، محافظة البنك المركزي الأوروبي، إن «الأوقات غير الاعتيادية تتطلب إجراءات غير اعتيادية»، لذا ليس غريبًا أن نجد السيدة التي كانت قبل سنوات تدير المؤسسة الأولى عالميًّا في دعم سياسات التقشف، صندوق النقد، تعلن عن برنامج ضخم لشراء السندات الأوروبية لتخفيض تكلفة اقتراض الدول المنكوبة بكورونا.

وتعد مواجهة الركود الاقتصادي الذي أنتجه هذا الوباء واحدة من أهم متطلبات الإنفاق العام في الوقت الراهن، فالعديد من مواقع الإنتاج أصبحت معطلة، والكثيرون فقدوا وظائفهم وتعرضت الشركات للخسائر، كل ذلك سيُنتج مع الوقت ضعفًا في الطلب على السلع، ويقوض من قدرة الاقتصاد على النمو.

في هذه الظروف قد ينتشر الفقر كالوباء مثل الكورونا، فرَبُّ الأسرة الذي يفقد وظيفته قد يُفقر معه أسرة بأكملها، ليدخل بعدها الاقتصاد في دائرة مفرغة من الفقر الذي يؤدي لمزيد من الركود، والركود الذي يتسبب في المزيد من الإفقار.

وربما أفضل ما يعبر عن بوادر الركود العالمي المستويات شديدة التدني التي وصلت إليها أسعار النفط، والتي تُعزى جزئيًّا إلى حرب الأسعار الدائرة بين كبار المنتجين، ولكن أيضًا لضعف الطلب على الطاقة مع إصابة الحياة الاقتصادية بالشلل.

في هذه الأجواء نجد إدارة شديدة اليمينية مثل إدارة دونالد ترامب تطرح برامج عاجلة للإعانة الاجتماعية، حيث طلبت الإدارة من الكونجرس الموافقة على تخصيص مبلغ قيمته 500 مليار دولار لإعانة الأسر الأمريكية بدءًا من أبريل المقبل.

وينظر الأمريكيون بعين الحسد إلى منظومة الحماية الاجتماعية القائمة في أوروبا، والتي ظهرت أهميتها بشكل جلي في مثل هذه الأزمة، فكما يقول مقال في النيويورك تايمز فإن «السياسات الاجتماعية الأوروبية التي يُنظر إليها على أنها سخية بشكل مبالغ فيه. حاليًّا قد تسهم (هذه السياسات) في تخفيف أثر الفيروس (كورونا)».

على سبيل المثال، والكلام للمقال المشار إليه، فإن منظومة التأمين الصحي الأوروبية تعزز من استعداد المواطنين للاستمرار في الإنفاق على الاستهلاك في وقت الأزمات، بما يقي الاقتصاد خطر الوقوع في الركود، وذلك لأن كل مواطن يشعر بالاطمئنان بأنه إذا واجه مخاطر صحية فلن يضطر لإهدار مدخراته على العلاج.

وبجانب البنية الأساسية من الحماية الاجتماعية في أوروبا هناك إجراءات مستحدثة لمواجهة الظروف الجديدة التي فرضها «كورونا»، ففي فرنسا والدنمارك وألمانيا وهولندا يستطيع الآن العامل أن يحصل على كامل أجره، في بعض الحالات لمدة ستة أسابيع على الأقل، إذا تم فرض الحجر الصحي عليه.

وأعلنت الدنمارك عن تعويض العديد من العمال ممن يفقدون وظائفهم بسبب هذا الوباء بما يوازي 75% من أجورهم حتى يونيو المقبل،وكذلك قالت بريطانيا إنها ستسدد 80% من أجور العمالة المتضررة من كورونا.

كما اهتمت السياسات الأوروبية بتخفيف العبء عن الأسر، حيث أوقفت فرنسا تحصيل رسوم الخدمات العامة مثل الطاقة والمياه، في ظل تزايد ضغوط الأزمة الراهنة.

ما هي أحوال دولة الرفاه في مصر؟

لنعد إلى مثال تأمين البطالة الذي ذكرناه في تقديم المقال، من المفترض أن هذا التأمين يكون موجودًا في أي بلد يتبع سياسات السوق الحر، فالهدف منه هو توفير إعانة مؤقتة للعامل خلال فترة تعطله حتى يستطيع أن يعيش حياته بشكل طبيعي إلى أن يجد فرصة عمل جديدة.

وقانون التأمين 79 لسنة 1975 كان ينص على التأمين على مخاطر البطالة بالفعل لشريحة كبيرة من العاملين بأجر، ويسدد عنها اشتراكات تعادل 2% من الأجر التأميني للعامل يسددها صاحب العمل، لكن عمليًّا لم يكن هذا التأمين مطبقًا.

أين كانت تذهب هذه الأموال إذن؟ من الصعب العثور على إجابة على هذا السؤال، ولكن يمكننا أن نقرأ وضع تأمين البطالة في إطار المشهد العبثي الكلي للحماية الاجتماعية في مصر.

فالمنظومة التأمينية التي كانت تقتطع مبالغ ولا توفر تأمينًا ضد مخاطر البطالة، كانت هي تفسها التي تدعم التأمين على فئات أخرى تسدد اشتراكات شديدة الرمزية، وهي الفئة المستفيدة من القانون 112 لسنة 1980.

هذه الفئات لم تكن تحظى بدعم الدولة لتأمينها لأنها فئة محظوظة أو مميزة عن الآخرين، ولكن لأن الدولة كانت تعتمد على قانون 112 لتغطية العمالة التي لا تقدر على حصرها وجمع البيانات عنها بسهولة، وتحديدًا العمالة غير المنتظمة وفئات العمالة غير الرسمية المختلفة.

هذا بجانب أن أموال اشتراكات التأمينات في مجملها كانت الحكومة تستخدمها لدعم الخزانة العامة، فقد كانت الدولة تقترضها بفائدة زهيدة، وهو ما كان يعوق قدرة منظومة التأمينات على تنمية عوائدها، ومن ثم تغطية المخاطر المؤمن عليها بكفاءة.

كل هذا العبث من المفترض أن يتم إصلاحه تحت قانون التأمينات الجديد الذي صدر في أواخر 2019، ولكن حتى الآن لم تصدر اللائحة التنفيذية للقانون بالرغم من أنه يفترض أن تطبيقه بدأ في يناير الماضي.

كما لا يتضح من نصوص القانون إلى أي مدى ستقدر الدولة على دمج العمالة غير المنتظمة وغير الرسمية في المنظومة الجديدة حتى توفر لها الحماية وتجمع منها اشتراكات تمول بها المنظومة في مجملها، فتصبح المنظومة التأمينية قادرة فعلًا على توفير تأمين على البطالة. 

هذا مثال واحد على مشكلات منظومة الرفاه المصرية، وهناك مشكلة أخرى كبيرة تتعلق بتخارج الدولة من أشكال الدعم المعمم ولجوئها خلال السنوات الأخيرة لأشكال نيوليبرالية في الدعم تعتمد على توجيه الدعم على أساس مستوى الدخل.

لدينا منظومة للدعم الغذائي كانت تغطي شريحة واسعة من المصريين، لكن الدولة اتجهت مؤخرًا لإخراج الكثيرين منها بدعوى أن دخولهم تسمح لهم بالاعتماد على أنفسهم وأنهم لا يستحقون الدعم.

بدأ الأمر بالحد من توزيع الخبز المدعم في 2014 ثم تحديد فئة الدخل التي تستحق الحصول على باقي أشكال الدعم الغذائي في 2017، قد تبدو هذه الإجراءات معقولة في حالة ما إذا كنا نريد استبعاد فئات غنية تريد أن تتمتع بالدعم، لكن الطبقة العليا لا تقف في طوابير الخبز ولا تذهب إلى المجمعات الاستهلاكية.

الواقع أن إجراءات الاستبعاد نالت شريحة واسعة من الطبقة الوسطى التي تحتاج إلى المساعدة في ظل الضغوط المعيشية الراهنة، هذا بجانب أن طريقة تنقية قاعدة المستفيدين من الدعم شابها الكثير من الأخطاء التي جعلت حتى الفئة المستحقة للدعم وفقًا لمعايير الحكومة يتم استبعاد شريحة منها عن طريق الخطأ.

متى بدأت دولة الرفاه في التآكل؟

الواقع أن منظومة الحماية الاجتماعية في مصر ليست عريقة للغاية، فقد بدأ جديًا التفكير في سياسات الأمان الاجتماعي منذ أربعينيات القرن العشرين، في سياق الظروف المأساوية للحرب العالمية الثانية.

في هذا الوقت نشأ نظام الدعم الغذائي ومعاش الضمان الاجتماعي، ومع صعود الضباط الأحرار للسلطة تم التوسع في سياسات الدعم بشقيه السلعي والنقدي مع محاولة إصلاح منظومة التأمينات الاجتماعية.

لكن عمليًّا ظل الدعم السلعي هو أداة الحماية الرئيسية في ظل الأزمات، واعتمدت عليه الدولة بجانب أدوات أخرى هي التحكم في أسعار السوق (التسعيرة الجبرية) وتوفير الوظائف عن طريق القطاع العام.

لكن منذ تسعينيات القرن العشرين اضطرت الدولة للتخلي عن ركيزتين من ركائز الحماية المشار إليهما، التسعير الجبري والتشغيل لدى الدولة، تحت ضغوط مؤسسات التمويل الدولية للتحول لاقتصاد السوق الحر.

وخلال العقد الأول من الألفية، ظل الدعم المعمم هو الأداة الأساسية للحماية الاجتماعية، فهو الأقدر على الوصول للقاعدة الواسعة من المواطنين، وبجانبه كان نظام التأمين الاجتماعي للفئات التي تعمل بشكل رسمي وقادرة على دفع الاشتراك، مع تغطية متواضعة للفئات التي لا تقدر على التأمين على نفسها سواء عن طريق قانون 112 لسنة 1980 أو معاشات الضمان الاجتماعي، هذا بجانب منظومة محدودة الانتشار ضعيفة التمويل سيئة الخدمات اسمها «التأمين الصحي».

ومنذ 2014، اتجهت الدولة تدريجيًّا للتخارج تمامًا من الدعم السلعي المعمم، بحيث تم تحرير أسعار الطاقة وتحديد حق الحصول على الدعم الغذائي وفقًا لمستوى الدخل.

ولتخفيف آثار تلك الإجراءات، أعطت الدولة دفعة لسياسات الدعم النقدي، بحيث أضافت لمنظومة الضمان الاجتماعي معاشات جديدة تُمنح على أساس مستوى الدخل، وهي تكافل وكرامة. ولكن إذا نظرنا لعدد المستفيدين من هذه المعاشات فسنجد أنه يصل لنحو 15 مليون مواطن أي ما يساوي نصف فقراء مصر تقريبًا إذا ما أخذنا بآخر تقديرات جهاز التعبئة والإحصاء.

لقد أثبتت هذه المعاشات عدم قدرتها وحدها على الحماية من السقوط في الفقر بدليل تفاقم عدد الفقراء خلال سنوات تطبيقها (وصلت نسبة الفقر في 2018 إلى 32.5%). ولا عجب في ذلك، خاصة إذا عرفنا أن قيمة معاش كرامة أقل من حد الفقر.

وربما من الإجراءات الإيجابية التي طبقتها الدولة في سنوات التخارج من الدعم المعمم وضع حد أدنى للمعاشات الممنوحة باشتراكات في محاولة للحد من ظاهرة المعاشات المتدنية، ووصل هذا الحد إلى 900 جنيه في الوقت الراهن، لكن القاعدة المستفيدة من المعاشات باشتراكات تظل محدودة قياسًا لإجمالي العاملين في ظل شيوع علاقات العمل غير الرسمية.

وكذلك من الإجراءات الإيجابية إصدار قانون للتأمين الصحي الشامل في 2018، ولكنه جاء متأخرًا بشدة عن إجراءات التخارج من الدعم المعمم، وأظهرت بدايات تطبيقه في بورسعيد بعض التحديات بشأن تطبيق المنظومة على النحو الأمثل، مثل استكمال العمالة اللازمة من الأطباء.

ما الذي يجب علينا فعله؟

نشرت صحيفة الفاينانشال تايمز، المعروفة بتوجهاتها اليمينية، هذا الشهر مقالًا بعنوان «الدخل الأساسي المعمم استجابة عملية وذات تكلفة محتملة لفيروس كورونا»، وتحدث المقال عن أن خطط الإنقاذ التي تطبقها بريطانيا لن تصل ثمارها إلى شريحة واسعة من المواطنين ممن يعملون بشكل غير رسمي أو لدى أنفسهم، لذا أوصى بمنحة قيمتها ألف يورو شهريًّا تمنح لكل فرد بدون أي شروط.

هذا اللون من الدعم كان محل جدل واسع قبل انتشار الوباء، ويرى المدافعون عنه أنه وسيلة فعالة لوصول الدعم لمستحقيه، فكل الأساليب الجديدة للتحقق من مستوى دخل متلقي الدعم تقع في أخطاء وتطرد مستحقين من منظومات الإعانة الاجتماعية، ناهيك عن أن تحديد شروط استحقاق الدعم مسألة محل جدل، وفي مصر تم طرح الدخل المعمم للنقاش في الجامعة الأمريكية بالقاهرة ضمن أنشطة مركز حلول للسياسات البديلة.

ربما يكون التحول إلى الدعم المعمم هو نقطة البداية لاستعادة دولة الرفاه المصرية، ليس بالضرورة استعادة كل أشكال الدعم المعمم السابقة، ولكن نحتاج للتوسع في منح الدعم الغذائي لأن تكلفته ليست باهظة على الموازنة المصرية وفوائده الاجتماعية كبيرة (مثَّل أقل من 2% من ناتجنا الإجمالي العام المالي الماضي)، بالإضافة إلى تطبيق الدخل الأساسي المعمم لكل من يحمل بطاقة رقم قومي.

ولسنا في حاجة بالضرورة لاستعادة دعم معمم باهظ التكلفة مثل دعم المحروقات، ولكن نحتاج للعودة إلى تطبيق فكرة الكارت الذكي التي طرحتها الحكومة وقت البدء في التخارج من دعم الطاقة، فمن المفترض أن هذا الكارت يضمن حصول فئات مستحقة للدعم على أسعار مخفضة للطاقة، هذا بجانب التوسع في تمويل مشروعات النقل العام ومدها بالوقود المدعم.

من أين سنمول كل هذه الإجراءات؟ لقد بدأت الدولة بالفعل في اتجاه محمود لرفع أعلى سعر للضريبة على الدخل من 22.5% إلى 25%، لكنها قصرت تطبيق ذلك على الشخصيات الطبيعية وليس الاعتبارية، بالرغم من أن الأخيرة تمثل الكيانات الاستثمارية الكبرى.

 وهو أمر جدير بإعادة النظر، فالضريبة الإضافية المؤقتة التي فرضها الرئيس السابق عدلي منصور على الشخصيات الاعتبارية حققت طفرة في الحصيلة الضريبية المحصلة من هذه الشركات، وكان ذلك في عام 2014-2015 وقت معدلات النمو فيه أضعف من الوقت الراهن.

هذا بجانب ضرورة أن تشتبك مصر مع الجدل الدائر عالميًّا حول أهمية تطبيق ضرائب على الثروة وليس الدخل فقط، والمقصود بالثروة هو كل الأصول المملوكة للأفراد.

بدأت مصر في تحديث منظومة الضرائب على العقارات المملوكة في 2008 وواجه القانون مقاومة اجتماعية شرسة حتى دخل حيز التنفيذ بعد تقليم أظافره والحد من قدرته على تحصيل ضريبة تمثل فعلًا قيمة الأصول المختزنة في ثروتنا العقارية، بلغت حصيلة هذه الضرائب نحو 0.16% من مجمل الضرائب العامة خلال العام المالي الماضي.

ولا تفرض مصر الضرائب على المواريث والتركات والعديد من الأصول الأخرى، لذا فنحن في حاجة إلى إعادة النظر في منظومة ضريبة الثروة في مصر في مجملها.

وأخيرًا فإن تمويل البرامج الاجتماعية يأتي عن طريق تخفيض معدلات الفائدة المرتفعة، وهي السياسة التي اتبعها البنك المركزي بعد التعويم لدعم الجنيه المصري، ومن حسن الحظ أن المركزي تخارج من هذه السياسة خلال الشهر الجاري ضمن محاولات تخفيف حدة الأزمة الاقتصادية الناتجة عن الوباء، وترجح مصادر أن التخفيض الأخير في الفائدة بنسبة 3% سيساهم في تقليل كلفة الدين العام المصري بنحو 100 مليار جنيه.

وبجانب كل هذا نحتاج إلى إدارة حوار مجتمعي حقيقي حول تشريعات التأمين الجديدة، التأمين الصحي الشامل والتأمينات الاجتماعية، يمثل فيها كل أطراف المصلحة.

ولكي نصلح منظومة التأمينات التي تمول من الاشتراكات المحصلة من أجور العاملين يجب أن نصلح سياسات الأجور نفسها، لذا يجب أن يتم بالتوازي حوار بين العمال وأصحاب العمل تحت إشراف الدولة للوصول لحد أدنى للأجور للقطاع الخاص يعبر فعلًا عن مستويات المعيشة الراهنة، فآخر قرارات تحديد هذا الحد الأدنى كانت في 2010.