بعيدًا عن رداءة العرض الأخير، هذه كانت إحدى أفضل نسخ دوري أبطال أوروبا في الألفية الجديدة، والتي انتهت أخيرًا بفوز ليفربول-كلوب باللقب. بعد مشوار درامي، أُجبر فيه الجميع على التعاطف مع الخصمين. لأن كليهما يستحق، ولأن الجميع كان مغرمًا بـ«سوبر ماريو». تلك اللعبة التي أضعنا فيها الكثير من الوقت قبل عصر الأندرويد وما يوازيه. حيث لم يكن أحد يكترث بعدد مرات السقوط، أو عدد المحاولات، المهم أن ينجح «سوبر ماريو» في الوصول إلى القلعة.

سوبر ماريو الذي يبدأ رحلته صغيرًا، ثم ينطلق للحصول على ما يزيد حجمه وقدراته حتى يصل للنهاية ويحرر الأميرة – حاله كحال كلوب وبوتشيتينو، اللذين قدما نسختيهما الخاصة من سوبر ماريو. فكلاهما بدأ الرحلة من البناء التدريجي من فوق الصفر بقليل، ثم التطور ورفع سقف الطموحات. يمكن القول إن تأثير سوبر ماريو «Super Mario Effect» قد أسهم في وصول كليهما إلى النهائي الأهم، مع اختلاف بسيط.


النهائي الأهم

لا تستعجل لمعرفة تأثير سوبر ماريو، ودعنا نركز أولاً على أهمية هذا النهائي. هل نحن نبالغ عندما نصفه بالنهائي الأهم في الآونة الأخيرة؟ هل نهائيات ريال مدريد ضد أتلتيكو مدريد ويوفنتوس وليفربول نفسه لم تكن تستحق هذا الوصف؟ سأخبرك، لكن عليك أولاً أن تتناسى رداءة ما شاهدته في المباراة.

يملك هذا النهائي طابعًا مختلفًا، حيث لا حديث عن الحظ، لا حديث عن الأهداف التي يهديها حراس مرمى الخصم لنادٍ دون آخر. لا حديث عن أخطاء تحكيمية وضربات جزاء غير محتسبَة هنا وهناك – بعد أن لعبت تقنية الـVAR دورها. أضف إلى ذلك أنه النهائي الأول منذ مدة ليست بالقصيرة دون أحد الخارقيّن، ميسي ورونالدو. فلم تجد أحدًا يتحدث عن دور البطولة في حسم سباق الكرة الذهبية، وبالتبعية حسم صراع جماهير اللاعبين على مواقع التواصل الاجتماعي.

فقط يركز الجميع على الجانب المضيء من التفاصيل. فنحن أمام مشروعين رياضيين لم يلجآ إلى الحلول السريعة أو الإنفاق الباهظ من أجل تحقيق المطلوب. بل سار الأمر تدريجيًا، مع التركيز على كافة التفاصيل. بداية من البنية التحتية التي تطورت في كلا الناديين، مرورًا باختيار المدير الرياضي المناسب لإدارة المشروع.

ومن ثم وضع كلا الناديين على رأس مشروعه مدربًا واعدًا يمتلك أسلوبه الخاص، ومنحاه ما يكفي من الوقت للحصول على النتائج. يورجن كلوب وماوريسيو بوتشيتينو يستحقان الإشادة بكل الأحوال، وكان الاحتفاء بهما قبل وبعد المباراة مجرد إنصاف.

وسنذكر دون ملل أن الحديث عن كليهما لم يشمل الحظ أو الأموال. فخلال حقبتيهما، بلغ صافي إنفاق ليفربول 98.1 مليون جنيه استرليني، أما توتنهام فكان 43.4 مليون. وهذه أرقام ضئيلة مقارنة بأندية أخرى، لكنها كانت أكثر فاعلية لأن الاستثمار طويل الأمد ما زال حاضرًا. لذا كانت براعة كلا المدربين وقدرتهما الفائقة على تحويل المواهب إلى نجوم من الصف الأول محور الحديث. إضافةً إلى الموازنة بين الجانبين الخططي والنفسي، حتى لو لم تعجبنا تفاصيل العرض الأخير.


عرض باهت

كما عودنا يورجن كلوب، فإنه دائمًا من يضع السؤال، ويجبر الجميع على البحث عن إجابة. يضغط ليفربول بثلاثي الخط الأمامي، فيرمينو يضغط على حامل الكرة من قلبي الدفاع، قاطعًا خط التمرير بينه وبين لاعب الارتكاز. ويتكفل صلاح وماني بغلق خط التمرير للظهيرين. جرب بوتشيتينو في آخر مواجهات الفريقين في البريميرليج خلق زيادة عددية عند التحضير عن طريق اللعب بثلاثي في خط الدفاع، لكن لم ينجح الأمر، فاضطر حينها للتعديل.

وبالفعل بدأ بوتشيتينو نهائي دوري الأبطال بخلق زيادة عددية في الوسط وليس الدفاع. هاري وينكس بجوار سيسوكو، أملاً في مزيد من الراحة لتوتنهام عند البناء. ستساهم الزيادة العددية في تحرير أحد الظهيرين، أو تسهيل مهمة أحد لاعبي الارتكاز، ومن ثم تنتقل الهجمة إلى الثلث الأوسط من الملعب. لكن كلوب قرر إغلاق العمق ومنع السبيرز من الاختراق عموديًا، وحوّل مصيدة الضغط من العمق إلى الطرف. وبمجرد انتقال الكرة إلى أحد ظهيري السبيرز، يضغط الثنائي ماني وفينالدوم أو صلاح وهندرسون.

البداية العجيبة للمباراة أربكت توتنهام، الذي من الأساس لم يكن يمتلك ما يكفي من الخبرة للتعامل مع النهائي فما بالك ببداية المباراة وهو متأخر في النتيجة. تمكن منهم الارتباك وأنهوا الشوط الأول دون أي تسديدة على المرمى. أما ليفربول فمنحنا شعورًا برغبتهم في إنهاء اللقاء بعد ضربة الجزاء مباشرة، وقرروا التراجع وترك الاستحواذ لتوتنهام حتى يجد جديد.


هدف مكرر

تحسن توتنهام قليلاً في الشوط الثاني، خاصة مع نزول لوكاس مورا لكن اصطدمت محاولات الفريق بعدم جاهزية مهاجمه هاري كين، وتنافس إريكسين وديلي ألي على جائزة الأسوأ. حاول توتنهام ولكن من بعيد، فلم يسدد لاعبو المدرب بوتشيتينو أي تسديدة من داخل الـ6 ياردات. بينما استمر ليفربول في ترك الاستحواذ لخصمه حتى انتهى اللقاء بتمرير توتنهام ما يقارب ضعف تمريرات الريدز (510 تمريرات مقابل 272).

واكتمل الأمر في النهاية بأقدام البلجيكي «ديفورك أوريجي»، الذي أنهى موسمه الغريب في دوري الأبطال بطريقة مثالية، عندما تمكن من إحراز هدف قتل المباراة في الدقيقة 87، وهو هدفه الثالث في البطولة من ثلاث تسديدات فقط. لكن الغريب أن هذا كان الهدف الثالث الذي يستقبله توتنهام أمام ليفربول في هذا الموسم – بواقع هدف في كل مباراة – من الكرة الثانية، التي تعقب ركنية، وحتى هذه التفصيلة كان ارتباك توتنهام أقوى من تفاديها بمعالجة سوء التمركز المتكرر.

في النهاية لم تكن المتعة حاضرة، وتم حصر التفاصيل في عرض سيئ ممل، لم يرُق لأحد سوى جموع المحتفلين من جماهير الريدز. ورغم ذلك، لم يجرؤ أحد على التشكيك في فوز يورجن كلوب، حتى لو اعتبرناه فائزًا عن مجمل عمله السابق. وكما يعتبر الكثيرون المدرب الألماني مميزًا بأسلوب الـ«GegenPressing» فإن رحلته مع الفشل الأوروبي تجعله أفضل مثال على ما أخبرتك به من قبل؛ «Super Mario Effect».


تأثير سوبر ماريو

أماكن تسديدات الفريقين - ليفربول باللون الأزرق وتوتنهام باللون البرتقالي - المصدر:
أماكن تسديدات الفريقين – ليفربول باللون الأزرق وتوتنهام باللون البرتقالي – المصدر:
Whoscored

منذ عامين تقريبًا، دعا «مارك روبر» المشتركين بقناته على اليوتيوب إلى تجربة لعبة بسيطة عن البرمجة «simple computer programming puzzle». كان الأمر يتعلق بترتيب بعض الأكواد كي تجتاز السيارة المتاهة. أخبرهم «مارك» حينها أنه يريد إثبات أن الجميع مهما كانت خلفياتهم التعليمية يستطيعون البرمجة. لكن في الحقيقة، جهز «مارك» نسختين من اللعبة وقرر اختبار متابعيه.

النسخة الأولى كانت تظهر عند فشلك رسالة شبيهة بـ«رجاء المحاولة مرة أخرى»، أما النسخة الثانية، فكانت تشير إلى خصم 5 نقاط من أصل 200 تبدأ بهم اللعبة. قرر 5000 شخص تجربة اللعبة، وكان الفارق بين النسختين واضحًا. بلغت نسبة نجاح المجموعة التي جربت النسخة المصاحَبة بخصم النقاط 52%، أما النسخة الأخرى فكانت النسبة 68%.

اللعب تحت ضغط خصم النقاط يؤثر على نسبة نجاحك بل أيضًا يؤثر على عدد محاولاتك. لأن هؤلاء اكتفوا بمتوسط 5 محاولات فقط، أما مجربي النسخة الآمنة فكان متوسط عدد محاولاتهم 12 محاولة، أكثر من الضعف. قرر «مارك» شرح التجربة على منصة «TED»، وربطها بلعبة سوبر ماريو، لأنها مطابقة للعبته دون خصم نقاط. حسب قوله، فإنه وأصدقاءه كانوا يتشاركون تفاصيل معينة حول اللعبة. إلى أي مرحلة وصلت؟ هل نجحت في إنقاذ الأميرة؟ لكن لم يتطرقوا أبدًا لعدد مرات السقوط أو كيف؟

لم يكن أحد يخجل من السقوط، بل كان يحاول تذكر سبب السقوط، ثم يعود للمحاولة متفاديًا إياه. ويورجن كلوب هو سوبر ماريو الخاص بنا في كرة القدم، يسقط ثم يسقط ثم يعود من جديد ثم يسقط حتى يصل أخيرًا، ليكسر ما سماه البعض بالنحس. لم يشك الرجل في قناعاته، في فلسفته، في ثقته بلاعبيه في كل مرة خذلوه فيها، فقط ركز على الأميرة وليس الحفر، وهذا هو «Super Mario Effect».

بوتشيتينو أيضًا يمثل نسخة من سوبر ماريو، لكن نسخة كلوب كانت أقرب إلى القلعة، بعد أن تجاوزت الكثير من المراحل وتعرضت للكثير من السقطات. وعليه فإن مشوار المدرب الأرجنتيني ما زال بحاجة إلى المزيد كي يصل إلى نفس المرحلة. أما نحن فنحتاج أيضًا إلى الاقتداء بكلوب وتعلُّم تأثير سوبر ماريو كي نتسطيع المواصلة.