إنه البطل الذي تستحقه جوثام، لكن ليس البطل الذي تحتاجه الآن
المحقق جيم جوردون

في ختام التحفة الفنية الخالدة «Batman: The Dark Knight»، وبعد مقتل النائب العام «هارفي دينت» لارتكابه عدّة جرائم، وانطلاقًا من الحفاظ على سمعته ورمزية ما كان يمثله، اضطر المحقق «جيم جوردون» أن يُلقي بهذه التهم على «باتمان»، لأنه سيتحمل هذا العبء.

البطل الذي يمكنه أن ينقذ جوثام من مخططات الشر، وهو في الظلام، ولا يعترف الناس بفضله. البطل الذي يتحمل مطاردة السُلطات، ويتلقى اتهامات على جرائم لم يرتكبها؛ لأنه «باتمان». البطل الذي تستحقه جوثام، ولكنها لا تحتاج إليه الآن.

في يناير/كانون الثاني الماضي، واجه مانشستر سيتي منافسه الأول على لقب الدوري ليفربول في ملعب الاتحاد. كانت الخريطة الحرارية لتحركات الشاب البرتغالي برناردو سيلفا تشبه خريطة حرارية صادرة من انفجار نجم في السماء.

خلال 90 دقيقة مشتعلة، اعتبرها الكثيرون أفضل مباراة في الموسم الماضي، جرى بيرناردو سيلفا 13.7 كيلومتر، ليكسر بذلك الرقم القياسي في الدوري الإنجليزي لأكثر لاعب يقطع عددًا من الكيلومترات في مباراة واحدة، وهو الرقم السابق لنفس اللاعب في مباراة السيتي ضد توتنهام في أكتوبر/تشرين الأول من العام الماضي.

البطل البرتغالي صغير الحجم، الذي يملك مهارة لاعب جناح، ومع ذلك لديه رؤية لاعب رقم 10. يملك طاقات لاعب رقم 8، وفي نفس الوقت صلابة لاعب قلب دفاع. ما الذي يمكن أن يتحمله بيرناردو أكثر من هذا؟ وكيف بدأت القصة؟

بطل صغير الحجم

نحن الآن بملعب «Estádio da Luz» أو استاد النور، في أكتوبر/تشرين الأول عام 2008. متبقي أقل من 10 دقائق على نهاية مباراة بنفيكا ضد نابولي في الدور الأول لكأس الاتحاد الأوروبي. يرفع البديل كارلوس مارتينز كرة عرضية داخل منطقة جزاء الضيوف، ليحولها المهاجم الأسطوري نونو جوميز لهدف ثانٍ لفريقه بنفيكا.

بينما كان يركض جوميز إلى ركن الملعب ليعانق زملاءه في الفريق احتفالًا بهدفه، لم يلحظ الفتى صغير الحجم الذي يجمع الكرات خارج الملعب، وتعلو وجهه ابتسامة عريضة، عندما اقترب منه وربّت على ظهره عدّة مرات.

بعد عقد كامل من الزمن، لا يزال هذا الصبي صغير الحجم يحمل نفس الابتسامة، ولكنه الآن يضيء ملعب الاتحاد في مدينة مانشستر. لم يعد يحتفل بالأهداف فحسب، ولكنه يساهم بنفسه في تسجيلها. قد يبقى صغيرًا في الحجم، لكن برناردو نضج الآن. منذ البداية، كانت الرحلة شاقة على برناردو؛ فقد كافح ليحظى بمكانة أساسية في أي فريق لعب له.

في عيد ميلاده السابع، أعطاه جده بطاقة كُتب فيها: «عيد ميلاد سعيد، سوف تلعب مع بنفيكا!»، حيث دفع له المال اللازم لإرساله إلى أكاديمية الشباب في النادي، ولكن الأمر لم يكن أبدًا سهلًا؛ فقد كان حجمه صغيرًا جدًا مقارنة بزملائه في الفريق، وهو ما يمثل مشكلة مع بعض المدربين.

يجلس برناردو معظم الوقت على مقاعد البدلاء أو لا يتم استدعاؤه لمباريات الفريق من الأساس، لكن لحسن حظه جاءه أحد أساطير لاعبي البرتغال فرناندو شالانا، وكان مدربًا لفرق الشباب آنذاك، وأخبره أن عليه الاستمرار، وأنه يملك الموهبة اللازمة، حتى أنه أطلق عليه اسم «Messizinho» أو ميسي الصغير؛ نظرًا لتشابه برناردو مع ليونيل في الجسد الضئيل، المهارة، واللعب بالقدم اليسرى وفي نفس المركز تقريبًا.

لم يستسلم برناردو، وظل يثبت أن لديه موهبة عملاقة في جسد صغير. حاول التغلب على كل الشكوك ليحفظ مكانًا أساسيًا لنفسه. حصل على لقب أفضل نجم صاعد في دوري الدرجة الثانية في البرتغال، وكان من المتوقع أن يحجز مكانه في الفريق الأول في صيف عام 2014.

لكن المدير الفني للفريق حينها خورخي جيسوس كان له رأي آخر؛ حيث قرر أن برناردو سيلعب على الجهة اليسرى، مدافعًا أيسر. لم يؤمن بمهارات برناردو في صناعة اللعب، ولم يشركه سوى في 31 دقيقة فقط مع الفريق طوال الموسم.

حينها قرر برناردو أن يخوض تجربةً جديدة، بعيدًا عن بيته، وناديه المفضل بنفيكا، لينتقل في نهاية الموسم إلى الدوري الفرنسي، ويلعب مع نادي موناكو. ليبدأ رحلة جديدة، وتنفجر موهبته.

جوارديولا يعرف أكثر

في إمارة موناكو الفرنسية، عاش برناردو حياةً بسيطةً للغاية، في شقة صغيرة، لكن لم تكن مساهماته مع الفريق بسيطةً أبدًا. بدأ اللعب مع مدربه البرتغالي ليوناردو جارديم كصانع ألعاب كلاسيكي، ثم تحول إلى نصف جناح ونصف لاعب وسط.

في عام 2017، أبهر موناكو العالم بأداء كروي عظيم، وتوّج ذلك بالفوز ببطولة الدوري الفرنسي بعد سيطرة باريس سان جيرمان عليها لفترة طويلة من الزمن. كان لبرناردو دور كبير في الفوز بهذه النسخة من البطولة، على الرغم من أن الفريق امتلأ بالمواهب التي أبهرت أوروبا والعالم أمثال كليان مبامي وتوماس ليمار.

برناردو يرى ما سيحدث قبل الجميع، يرى المساحات الفارغة من الملعب، يعرف كيف يمرر بامتياز، وكيف يركض. تحركاته دون الكرة مثيرة دائمًا. لاعب يتمتع بذكاءٍ كبير، لذا بنهاية هذا الموسم سارع بيب جوارديولا ليجعله أول توقيع لفريقه مانشستر سيتي في الصيف. جوارديولا يعشق اللاعب الذكي.

يعرف برناردو أيضًا كيف يتحكم في نسق اللعب ومتى عليه أن يسرع أو يبطئ، ليس بفضل سرعته ولكن لسرعة تفكيره واتخاذه القرار سريعًا. ومع ذلك، من بين كل مميزاته، فإن أكثرها إثارة للإعجاب هو قدرته في السيطرة على الكرة.

البطل ذو الألف دور

في كتابه «البطل ذو الألف وجه»، الذي نُشر عام 1949، يناقش جوزيف كامبل نظريته عن رحلة البطل التوراتي في العالم الأسطوري. لكن لو كان كامبل يحيا بيننا الآن، فربما كان سيكتب كتابًا جديدًا عن الأدوار التي يقدمها برناردو سيلفا مع مانشستر سيتي والبرتغال.

في أول مواسمه مع السيتي، لعب برناردو كجناح هجومي، قبل شراء رياض محرز. في البرتغال لعب كجناح على الخط أيضًا نتيجة للتكتيك الدفاعي لمدربه سانتوس. لكن بعد إصابة النجم البلجيكي كيفين دي بروين، انتقل برناردو إلى الوسط، ليلعب كرقم 8، يساند زملاءه في الهجوم، ويعود إلى الدفاع ليساند فيرناندينيو في الوسط.

يستخدمه جوارديولا كقطعة الفرس على رقعة الشطرنج، تارةً يضعه مكان ديفيد سيلفا في الوسط على اليسار، وتارةً أخرى يلعب على الجناح الأيمن، كنصف جناح ونصف لاعب وسط. بينما أفضل أدواره حتى الآن عندما يلعب كصانع ألعاب رقم 10، قريبًا من المرمى، لتظهر خطورته في تسجيل وصناعة الأهداف.

تظل تحركاته بدون الكرة أثناء عملية بناء الهجمة من أهم ما يميز أداء برناردو. كما يتفوق على زملائه من دون الكرة، في عملية الضغط على حامل الكرة من لاعبي الخصم. الارتداد لمساندة الظهير، والانقضاض على دفاعات الخصم ليمنعهم من الخروج بالهجمة. بالإضافة إلى العودة لمنطقة جزاء فريقه، في محاولة افتكاك الكرة الثانية في العمق.

أضاف برناردو التنوع الذي يبحث عنه جوارديولا في وسط الملعب، ولكنه يقوم بكل هذه الأدوار بكفاءة عالية، حتى تشعر بأن هذا هو مركزه الأساسي منذ البداية.

في يونيو/حزيران الماضي، فازت البرتغال ببطولة دوري الأمم الأوروبية، وحاز برناردو على لقب أفضل لاعبي البطولة. كما فاز مع السيتي بأربع بطولاتٍ في عام واحد، وساهم بجزء كبير في كل منها. وحصد لقب أفضل لاعب في السيتي لهذا العام.

لكن رغم كل هذه الإنجازات الجماعية، والمجهود الفردي الذي بذله، لم يتم اختيار برناردو ضمن قائمة أفضل عشر لاعبين في جوائز الفيفا لهذا العام. بالطبع لن ينصفه مجرد الترشيح لمثل هذه الجائزة، ولكن على الأقل كانت سيُظهر له بعض التقدير والاعتراف على ما قدمه خلال هذا الموسم الرائع.