لم أكن قد أتممت العاشرة عندما نجحت في اختبارات كرة القدم لأحد الأندية الصغيرة، لا أتذكر شيئًا هامًا من تلك التجربة بقدر هذا المشهد الذي يفسر كثيرًا عقيدة اللعبة الشعبية الأولى التي يدركها الأطفال أثناء تعلمهم فنون اللعبة.

حاولت استخلاص الكرة من قدم آخر مدافع في الفريق المنافس، لكن بدلًا من لمس الكرة دهست قدمه كلها، فانهار الطفل الآخر ممسكًا قدمه بشيء من المبالغة، لكني تابعت طريقي نحو المرمى، ولأنني أعرف أن هذا الهدف الذي سأسجله لا أستحقه، قررت أن أطيح بالكرة خارج الملعب.

قرر المدرب إيقاف اللعب في الحال واستدعاني رفقة الطفل الآخر وقام بتوبيخنا بشكل مفرط. تم توبيخي لأنني لم ألعب على صافرة الحكم، أما منافسي فتم توبيخه لأنه لم يلعب كرجل.

دعك من صافرة الحكم الآن وأبقِ كامل تركيزك على تلك الجملة الأخيرة «أنت لم تلعب كرجل»، تلك هي عقيدة كرة القدم التي يتعلمها الأطفال وتبقى معهم طوال سنوات احترافهم للعبة، والتي يتم تغليفها بعشرات المسميات التجميلية والملهمة في بعض الأحيان، لعل أبرزها مسمى «عقلية المحارب».

لكن يظل المسمى الحقيقي لتلك الحالة ببساطة هو «اللعب رغم الألم»، فما يشعر به اللاعب في قرارة نفسه يبتعد تمامًا عن شعور المحاربين، بل هو مزيج من العار الناتج عن إظهار ضعفه أمام الآخرين، والضغط من الزملاء والمدربين، والتهديد الوهمي أو الحقيقي بفقدان فرصة اللعب. لذا قد لا يتفهم البعض انهيار مستوى أحد اللاعبين إثر إصابة بسيطة، لكن وراء تلك الإصابة العشرات من التراكمات في كواليس كرة القدم، دعنا نكتشفها معًا.

إصابات لا يعلم عنها أحد

وفقًا لتقرير صادر عن الفيفا في عام 2012، لجأ «39%» من لاعبي كرة القدم خلال مباريات كأس العالم 2010 إلى مسكنات الألم قبل المباراة. كذلك تشير بعض الإحصائيات إلى أن «42%» من الأطفال الذين يمارسون رياضات مختلفة يتكتمون على إصاباتهم تلك من أجل البقاء في الملعب.

بالنسبة للجانب البدني، تزداد الإصابات الطفيفة المخفية سوءًا مع الوقت، ولعل أبرزها هو ذلك الارتجاج البسيط الذي تتعرض له رؤوس اللاعبين خلال المباريات، والذي قد يؤدي إلى كارثة فيما بعد. كالعادة يرغب اللاعب المصاب بارتجاج الرأس في العودة سريعًا للملعب وهو ما قد يعرضه للإصابة بمتلازمة الأثر الثاني والتي قد تسبب الموت أو حدوث إعاقة على أقل تقدير.

مؤخرًا انتبه المسئولون عن الرياضة لخطورة تلك الحالة تحديدًا، إذ هناك بعض الأنباء عن رغبة الدوري الإنجليزي باستحداث نظام جديد لمحاولة منع اللاعبين من العودة للملاعب بعد الإصابة بالارتجاج. يحتوي هذا النظام على مقترحين أساسيين: أولهما هو تغيير اللاعب المصاب بالارتجاج بلاعب آخر على ألا يتم حساب هذا التغيير ضمن التغييرات الثلاثة للفريق؛ أما المقترح الثاني فهو نقل اللاعب المصاب إلى غرفة الملابس لمدة 10-15 دقيقة لإجراء ما يسمى باختبار الرأس على أن يحل محله لاعب آخر خلال تلك الفترة فقط.

إحدى النتائج الهامة الأخرى التي تحدث إثر اللعب رغم الألم هو لجوء الرياضي إلى استخدام العضلات الأخرى بدلاً من علاج العضلات المصابة. في هذه الحالات، لا تبقى الإصابات الأولية فقط دون علاج، ولكن يمتد الضرر إلى مزيد من المناطق من الجسم.

ولا يتوقف الأمر هنا، بل يتخطى حدود ملعب كرة القدم أيضًا، حيث استعرض بعض الباحثين الألمان خمس عشرة دراسة حول اللعب رغم الألم شارك بها 550 رياضيًا و330 شخصًا لديهم مستويات نشاط طبيعية، وأقروا عدم قدرة الرياضيين على التمييز بين وجع الحياة اليومية وحالات الوجع الناتجة عن أمور أكثر خطورة.

أنت مصاب .. إذن أنت غير مهم

ومن المعاناة الجسدية إلى المعنوية، ولنبدأ بإصابة لاعب كرة القدم الأمريكية «كيني ماكينلي» في ركبته، والتي تستلزم تدخلاً جراحيًا، يتبعه خروجه من حسابات ناديه لمدة موسم كامل. صرح «كيني» محبطًا بأنه لا يعرف ماذا يفعل بعيدًا عن كرة القدم خاصة بعد تقلص فرص مشاركته مع فريقه، بعد أقل من عام عٌثِر على «كيني» منتحرًا بعد شعوره بفقدان الأمل في العودة مرة ثانية للعب كرة القدم الأمريكية.

ما شعر به «ماكينلي» يشعر به الكثير من الرياضيين. على سبيل المثال، لاعبة التزلج الأولمبية «بيكابو ستريت» التي استطاعت توصيف هذه الحالة جيدًا بعد تعرضها لإصابات بالغة استلزمت العلاج لفترة طويلة، مما أصابها بحالة اكتئاب أثناء فترة العلاج.

لقد انحدرت إلى القاع تمامًا، لم أعتقد أبدًا أنني سوف أختبر شيئًا كهذا في حياتي. كنت أشعر كأنني حيوان محبوس.
لاعبة التزلج الأولمبية «بيكابو ستريت»

لا يختلف الأمر كثيرًا في عالم كرة القدم، حيث كشفت دراسة أن أندية كرة القدم لا تقدم الدعم النفسي الكافي للاعبين المصابين. حيث تبين من مقابلة رؤساء الفرق الطبية لـ 75 ناديًا (بما في ذلك 14 فريقًا من الدوري الإنجليزي الممتاز) أن 37٪ فقط من الأندية يملكون موظفين تم تدريبهم على علم نفس الإصابة، بينما أقل من 25٪ لديهم أخصائي نفسي رياضي بدوام كامل.

الأكثر خطورة أن الأندية التي قامت بفحص المشكلات النفسية للاعبيها المصابين أكدت على وجود علامات القلق والاكتئاب والخوف من الإصابة مرة أخرى، مع التأكيد أن تلك المشاكل تحدث عادةً مع الإصابات طويلة الأمد.

يبدو الأمر وكأن حياتهم كلها متوقفة على تجنب الإصابات، وتجنب آثارها على كافة الأصعدة قدر الإمكان. وسواء نجحوا أم لا، يتبقى جزء أخير في قصة الإصابات، سندركه معًا باستحضار مشهد البداية مرة أخرى، حين تحدثنا عن عقلية اللعب كالرجال والالتزام بصافرة الحكم ولا شيء غيرها.

الشعور بالذنب أم إحراز الهدف؟

خلال الموسم الجاري من البريميرليج، تعرض لاعب نادي إيفرتون «أندريه غوميش» لكسر في الكاحل بعد تدخل غير مقصود من لاعب توتنهام الكوري «سون». التقطت الكاميرات «سون» يبكي بشدة بعد إصابة «غوميش». والسؤال هنا: إذا كانت تلك المخالفة بالقرب من مرمى إيفرتون ولم يحتسبها الحكم لسبب أو لآخر، هل كان سيكمل لاعب توتنهام المباراة محرزًا هدفًا دون ذرة ندم؟ الإجابة: بالطبع لا.

بعيدًا عن حجم تلك الإصابة الخطيرة، لكن شعور «سون» هو الشعور المنطقي دون شك. فهو لم يتعمد إصابة منافسه، لكن مجرد وجوده كجزء من ذلك الموقف جعله يشعر بالندم. الفارق هنا أن إصابة «غوميش» البالغة كانت كفيلة بجلب التعاطف من الجميع، ومع ردة فعل «سون» شمل هذا التعاطف اللاعب الكوري نفسه.

هناك المئات من المشاهد التي تحتوي على لاعبين يطلبون توقف اللعب لمعالجة لاعب منافس، لكن تظل تلك المشاهد مرتبطة بسير المباريات، فتقل كثيرًا إذا ما كان الفريق صاحب اللاعب المصاب فائزًا، وتصبح نادرة إذا نتج عن تلك الإصابة فرصة حقيقية للفريق المنافس للتعادل أو المكسب.

يستغل بعض اللاعبين ذلك الأمر بالطبع لادعاء الإصابة في أوقات أخرى، لكن في المقابل هناك العديد من اللاعبين بعد تدخل قوي على منافسيهم، يستغلون عدم إدراك حكم المباراة لتلك المخالفة من أجل إحراز هدف. لكنني أدرك تمامًا لماذا يفعلون ذلك، من المؤكد أنه قد تم توبيخهم وهم صغار لأنهم لم ينحوا مشاعرهم جانبًا ويلعبوا على صافرة الحكم.