أعلنت الهيئة العليا المستقلة للانتخابات في تونس، الأربعاء الماضي، قبول ملفات 26 مرشحًا للانتخابات الرئاسية المقرر عقدها في منتصف سبتمبر/ أيلول المقبل. أحد أبرز المرشحين المقبولين هو رئيس البرلمان بالنيابة «عبد الفتاح مورو»، مرشح حزب «النهضة» وأحد أبرز وجوه الحركة الإسلامية التونسية منذ بداياتها في أواخر الستينيات.

يجذب مورو انتباهك بلباسه المميز وحديثه البليغ الذي ينم عن اطلاع واسع وقدرة على قراءة الأحداث، وفي نفس الوقت لا يخلو من كوميديا وأداء مسرحي، لكن خلف كل هذا هناك قصة تستحق أن تروى.

النشأة والتعليم والحياة المهنية

ولد «عبد الفتاح بن جيلاني بن محمد مورو» عام 1948 م، في حي باب سويقة بالعاصمة تونس، لأسرة صغيرة متواضعة الحال. كان والده قهوجيًا فيما كانت والدته تعمل خَيَّاطة.

نشأ مورو في بيئة مفتوحة ونشطة، فباب سويقة كان منطلقًا للعديد من الحركات السياسية والأدبية؛ احتضنت مكاتب زعماء الحركة الوطنية التونسية أمثال الحبيب بورقيبة وصالح بن يوسف، وكان مهدًا للحزب الدستوري الذي قاد تونس نحو التخلص من الاحتلال الفرنسي، كما كان منطلقًا لجماعة «تحت السور» الأدبية التي أنجبت عددًا من أهم رموز الفن والثقافة التونسية خلال أربعينيات وخمسينيات القرن العشرين. ويقع في الحي أيضًا مقر نادي «الترجي» أشهر أندية تونس الرياضية. 

تلقى مورو تعليمه في المدرسة الصادقية، وهي أول مدرسة عصرية في تونس، ومنها تخرجت جل النخبة التي قادت تونس في مرحلة ما بعد الاستقلال، مثل الرئيس الحبيب بورقيبة ورئيس الوزراء الهادي نويرة.

لم يكتفِ عبد الفتاح بما كان يتلقاه في المدرسة من علوم حديثة وشرعية لأنها «ليست سوى رؤوس أقلام»، وفق قوله، فتردد على المكتبات العامة للقراءة وبدأ في شراء الكتب لتكوين مكتبته الخاصة.

تميز عبد الفتاح منذ صغره بلباسه التقليدي المثير للانتباه. يقول عن الأمر: «ربما هو موقف استعراضي (في البداية)، لكن في الحقيقة هذا الموقف أفاد لأني أثبت من خلاله أن الأصيلة في تاريخنا وحضارتنا وثقافتنا يسمح لنا بأن نكون متفتحين دارسين لكن نتلبس بلباسنا الأصيل، خاصة إذا كان هذا اللباس لا يعطل نشاطنا اليومي».

أنهى مورو دراسته الثانوية عام 1966، والتحق بكليتي الشريعة والحقوق في آن واحد وتخرج منهما عام 1970. كانت كلية الشريعة في ذلك الحين تعتبر «الزيتونة الجديدة» التي حلت محل جامعة الزيتونة العريقة التي أغلقها الحبيب بورقيبة، وتتلمذ عبد الفتاح فيها على يد الشيخ الفاضل بن عاشور، أحد أبرز رجال الدين في تونس في القرن العشرين.

عُين عبد الفتاح مورو قاضيًا عام 1970، وسرعان ما اكتسب صيتًا وسط زملائه، فاختاروه رئيسًا لجمعية القضاة. وشارك عام 1976 في تنظيم إضراب للقضاة احتجاجًا على تدهور أوضاعهم المادية، وأحيل إثر ذلك إلى مجلس التأديب، لكنه بُرِّئ لأن يوم الإضراب وافق يوم زواجه.

بعد أسبوعين من هذه الواقعة أُحيل عبد الفتاح مرة أخرى للتأديب بتهمة ارتكاب سلوك يتنافى وسلوك القاضي المثالي، والذي يتمثل في كثرة التردد على المساجد. ورغم أن الدعوى رُفضت، إلا أن مورو شعر أنه أصبح مرصودًا والوضع بينه وبين رؤسائه متوترًا، فقرر الاستقالة من القضاء والعمل في المحاماة، وهي المهنة التي لا يزال يمارسها حتى الآن.

مورو وتأسيس الحركة الإسلامية التونسية

بدأ مورو نشاطه الدعوي عام 1964، عبر المشاركة في أنشطة جماعة التبليغ، مثل حث الناس على الصلاة ودعوتهم إلى المساجد وحلقات قراءة القرآن. وأكسبه هذا النشاط القدرة على الخطابة، والتجرؤ على الحديث المباشر مع الناس.

وفي عام 1966، بدأ عبد الفتاح يقدم خطبة الجمعة في جامع سيدي يوسف الواقع قرب قصر رئاسة الوزراء في القصبة. واستطاع سريعًا بفضل بلاغته وقدراته الخطابية، أن يجذب إلى المسجد عددًا من موظفي الوزارات القريبة وتجار سوق الذهب وتلاميذ المدارس الثانوية المجاورة. وبدأ يُعرف بين الناس. 

التقى مورو براشد الغنوشي، الذي سيصبح بعد ذلك أبرز زعماء الحركة الإسلامية في تونس، عام 1969، وانتظما معًا في حلقة لجماعة التبليغ، وبدآ في تنظيم أنشطة دينية كانت إرهاصات لما يعرف حاليًا بالحركة الإسلامية التونسية.

كان عبد الفتاح في تلك الفترة يقرأ كتب الإخوان، خاصة كتابات «سيد قطب»، وبدأ خطابه يتطور من الحديث عن العبادات إلى الحديث عن دور الإسلام في الحياة وعن حاجة الناس إليه لتنظيم حياتهم، وعن تخلف الأمة وكيفية النهوض بها.

شارك عبد الفتاح عام 1972 في تنظيم «اجتماع الأربعين»؛ أول اجتماع للحركة الإسلامية التونسية، وأحد أهم إرهاصاتها قبل الانطلاق الفعلي في أواخر السبعينيات. وتعاهد الحاضرون في الاجتماع على التكاتف لخدمة الإسلام في بلدهم، وسموا أنفسهم «الجماعة الإسلامية»، واختاروا راشد الغنوشي رئيسًا للحركة الوليدة، ومورو أمينًا عامًا لها.

تعرف مورو على المفكر الجزائري مالك بن نبي من خلال ملتقيات الفكر الإسلامي التي كانت تقام في الجزائر في السبعينيات، وترك ابن نبي أثرًا كبيرًا في عبد الفتاح وباقي قيادات «الجماعة الإسلامية»، خاصة نقده لأفكار سيد قطب، وكان دافعًا للحركة الإسلامية التونسية للتراجع عن أفكار قطب التكفيرية والتخلص من العموميات الموجودة في فكر بعض زعماء الإخوان في نقد الواقع دون تقديم رؤية لكيفية الخروج منه.

خرج عبد الفتاح في مظاهرات 1978 (انتفاضة الخبز) بشكل فردي باعتباره زعيمًا إصلاحيًا يجب أن يظهر في هذه المناسبة، وأصيب برصاصة خلال قمع الأمن للمظاهرات.

أثرت انتفاضة 1978 كثيرًا في مورو وجماعته، ولفتت انتباههم إلى أن الإسلاميين أغفلوا ما يحدث في مجتمعهم، وأنهم أمام واقع جديد يجب أن يتفاعلوا معه، فبدأت عملية «تونسة» الحركة الإسلامية والاهتمام بقضايا المجتمع وقضايا العمال والعمل النقابي.

شارك مورو عام 1979 في المؤتمر التأسيسي الجامع الذي قررت فيه «الجماعة الإسلامية» التحول من حركة فضفاضة غير منظمة إلى كيان منظم سري يسعى إلى تقديم بديل للنظام القائم، واختير مورو نائبًا لرئيس الحركة (الغنوشي) وواجهة للجماعة.

مورو بين المعتقل الصغير والمعتقل الكبير

اكتشفت السلطات التونسية أمر تنظيم الجماعة الإسلامية أواخر عام 1980، فقررت قيادة التنظيم استباق حملة الاعتقالات المتوقعة، والتقدم بطلب رسمي لتأسيس حزب باسم «الاتجاه الإسلامي»، واحتضن مكتب مورو للمحاماة، في يونيو/حزيران 1981، المؤتمر الرسمي الذي أعلن فيه ولادة الحزب الجديد قبل الحصول على ترخيص رسمي.

اُعتقل مورو وقيادات «الاتجاه الإسلامي» في يوليو/تموز 1981، وأُحيلوا إلى المحاكمة بتهمة الاعتداء على كرامة رئيس الجمهورية بسبه وشتمه، والانتظام في جمعية غير قانونية، وإشاعة أخبار زائفة من شأنها تعكير صفو النظام العام. تم إدانة عبد الفتاح وحكم عليه بالسجن 10 سنوات.

عام 1983 توسط عدد من السياسيين ذوي العلاقة ببورقيبة للإفراج عن مورو، وكانت صحته معتلة في تلك الفترة، فتم الإفراج عنه صحيًا في أغسطس/ آب 1983، ووضع رهن الإقامة الجبرية في منزله حتى أغسطس/ آب 1984، حين أصدر بورقيبة قرارًا بالإفراج عن جميع الإخوانجية (كان هذا اللقب الذي يطلقه على الإسلاميين) المسجونين ورفع الإقامة الجبرية عن مورو، مع منعهم من مزاولة العمل السياسي والخطابة في المساجد. 

أعادت جماعة «الاتجاه» تنظيم صفوفها مرة أخرى واستأنفت العمل السري، وفطنت السلطات إلى ذلك فبدأت في التضييق عليهم. 

في عام 1986 أحس مورو أن الأمر بات مسألة وقت قبل أن تتصادم الجماعة مع نظام بورقيبة مرة أخرى، فقرر السفر إلى فرنسا بشكل سري. 

لم يستطع عبد الفتاح الحصول على لجوء سياسي في فرنسا أو ألمانيا؛ لأنه لم يكن محكومًا عليه رسميًا من قبل السلطات التونسية، فطلب من السلطات السعودية اللجوء في المملكة وقُبِل طلبه. 

عمل مورو مستشارًا قانونيًا لدى رابطة العالم الإسلامي، وأُعطي إقامة وجواز سفر سعوديًّا يسر له التنقل الدولي، وطُلب منه في المقابل ألا يشتغل في السياسة خلال تواجده في المملكة.

صدق توقع مورو وشنت السلطات التونسية في عام 1987 حملة اعتقالات ضد عناصر وقيادات «الاتجاه الإسلامي»، بعدما انكشفت تفاصيل التنظيم الجديد كاملة، بما يشمل أدبيات الحركة وكافة هياكلها التنظيمية، والأهم من ذلك اكتشاف وجود «جناح عسكري» يقول مورو إنه كان لأجل «حماية الحرية فقط» ولم يكن معدًا للقيام بانقلاب لأنه لم يكن يضم سوى من 10 إلى 15 عسكريًا في مواقع غير حساسة.

كانت الأجواء العامة في تونس توحي بأن هناك نية مبيتة لإعدام قيادات حركة «الاتجاه الإسلامي»، فطلب مورو من ولي العهد السعودي الأمير «عبد الله بن عبد العزيز» التوسط لدى السلطات التونسية لعدم إصدار أحكام بإعدام قيادات الحركة، وتم ذلك.

في نوفمبر/تشرين الثاني 1987 أطاح رئيس الوزراء زين العابدين بن علي بالحبيب بورقيبة وتولى الحكم، ورحب مورو وجماعته بالتغيير في تونس على أمل أن يكون هذا فاتحة لانفراجة سياسية في البلاد. وبدأ بن علي عهد بالإفراج عن الغنوشي وقيادات النهضة للحصول على شرعية سياسية.

عاد مورو إلى تونس في أكتوبر/تشرين الأول 1988، بعدما تلقى اتصالًا من بن علي يدعوه فيها إلى العودة لوطنه. لكنه فوجئ حين عودته بسحب جواز سفره ومنعه من السفر، وأصبح مراقبًا من الأمن ليلًا ونهارًا بدعوى حمايته، ففهم أنه وقع في فخ.

غيرت حركة «الاتجاه الإسلامي» اسمها عام 1989 إلى حركة «النهضة»، وعُين عبد الفتاح ناطقًا باسم الحركة وأمينًا عامًا لها. كما انضم إلى المجلس الإسلامي الأعلى بطلب من الرئيس بن علي.

في مارس/ آذار 1989 أجريت أول انتخابات برلمانية في عهد بن علي، ونافست «النهضة» في 21 دائرة من أصل 25، وهو ما كان يعارضه عبد الفتاح مورو بشدة، إذ رأى أن الحكمة تقتضي المشاركة في دائرة أو اثنتين على الأكثر حتى لا يخاف النظام من الحركة ويعتقد أنها تريد الانقضاض على السلطة فيحدث تصادم. 

حدث ما توقعه مورو وتم تزييف الانتخابات وبدأ نظام بن علي في قصقصة أجنحة «النهضة»، فسافر الغنوشي وأغلب قيادات الحركة إلى الخارج، فيما قرر مورو أن يبقى في تونس لقيادة الحركة من الداخل.

بدأ النظام يضيق الخناق أكثر وأكثر على «النهضة»، فأوقف جريدة الفجر التابعة للحركة في أواخر 1990، وسحب تراخيص اتحاد الطلبة التابع للحركة في 1991، وحدثت مظاهرات وصدامات عنيفة بين عناصر الحركة وقوات الأمن، توجت بإحراق مقر الحزب الاشتراكي الدستوري في باب سويقة ومقتل بعض حراسه، فقامت السلطات باعتقال عدد كبير من قيادات «النهضة»، بينهم مورو، ثم أفرجت عنهم لعدم وجود أدلة.

طلب عبد الفتاح من «النهضة» شجب وإدانة أعمال العنف التي قام بها شباب الحركة خلال الاحتجاجات، لكن «النهضة» لم تفعل، فجمد عضويته في الحركة احتجاجًا. 

ساءت بعد ذلك الأوضاع، واتُّهمت «النهضة» بالسعي لاغتيال بن علي عبر إسقاط طائرته بصاروخ أرض جو جلب من أفغانستان، وفتحت السجون على مصاريعها، فألقي القبض على آلاف من عناصر الحركة وتعرضوا للتعذيب في السجون. وفي عام 1992 صدرت أحكام بالمؤبد والأشغال الشاقة على أكثر من 250 من قيادات حركة النهضة بتهمة محاولة قلب نظام الحكم واغتيال بن علي. 

جمد مورو عضويته في النهضة واعتزل العمل السياسي في تلك الفترة خوفًا من حملة القمع الشرسة، فعصمه ذلك من دخول سجون نظام بن علي، لكن ظل ممنوعًا من السفر ووضعه تحت رقابة مشددة، كان أبرز مظاهرها، وفق قوله، وضع كاميرات تصوير سرية داخل منزله وتصوير أهل بيته. 

«كنت مضايقًا في حياتي. توفيت والدتي سنة 1993 وكل الذين جاءوا للتعزية تم تصويرهم فردًا فردًا، وجل الذين جاءوا بعد أن صوروا جلبوا إلى المخافر وسُئلوا ما الذي حصل. أبنائي تابعوا دراستهم بتعب شديد. كانوا يختارون المعاهد (الكليات) الراقية فكان يفرض على إدارة المعاهد رفضهم، ويوجهون إلى المعاهد الشعبية قليلة المستوى. ابني الأكبر تزوج واخترنا مسجدًا لإعلان الصداق، فوجدنا باب المسجد مغلقًا، واضطررنا أن نقرأ الفاتحة ونسوي خطبة النكاح في الطريق العام. لم نستطع أن نفرح كما يفرح الناس في زيجاتنا، ولا أن نبكي كما يبكي الناس في أترحنا». مورو في شهادته على العصر

ظل مورو يمارس المحاماة ويترافع في القضايا السياسية طوال التسعينيات والعقد الأول من الألفية الثالثة حتى اندلعت الثورة التونسية في أواخر العام 2010.

مورو بعد الثورة

نُسي عبد الفتاح مورو خلال عقدي الخمول السياسي؛ لم يعد معروفًا أو مؤثرًا كما كان الحال خلال السبعينيات والثمانينيات، بل اتهم بموالاة نظام بن علي وترك «النهضة» في أصعب محطاتها، ويرد مورو بأنه لم يكن هناك أي نشاط للحركة داخل تونس منذ العام 1991، وأن التنظيم السري الذي أسسته «النهضة» في تونس خلال سنوات التسعينيات كان خطرًا على الجميع، لذا لا يعتبر تجميد نشاطه السياسي انسحابًا وقت الأزمة.

عادت قيادات حركة النهضة من الخارج بعد نجاح الثورة التونسية في الإطاحة بالرئيس بن علي ونظامه مطلع العام 2011. وقدمت الحركة أوراقها للحصول على ترخيص رسمي دون دعوة مورو للمشاركة، فأسرها في نفسه.

ترشح عبد الفتاح على رأس قائمة مستقلة باسم «طريق السلامة» في انتخابات المجلس التأسيسي التونسي، لكن قائمته لم توفق لأنها، وفق تحليله، كانت تتخذ من الوسطية شعارًا لها في وقت كان فيه الاستقطاب المجتمعي بين الإسلاميين والعلمانيين على أشده.   

استرضت «النهضة» مورو فعاد إلى صفوفها عام 2012 في منصبه المفضل كنائب لرئيس الحزب (الغنوشي). ترشح في الانتخابات التشريعية عام 2014 ضمن قوائم النهضة، وفاز بمقعد برلماني أهَّله ليشغل منصب نائب رئيس مجلس النواب، ثم حاليًا رئيس المجلس بالنيابة بعدما تولى رئيس المجلس محمد الناصر رئاسة الجمهورية إثر وفاة الرئيس «الباجي قائد السبسي».